كثيرة بَيَّنَها عياض "مثل قوله تعالى لليهود" لما ادعوا دعاوي باطلة، كقولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ} , فكذبهم وألزمهم الحجة، فقال مخاطبًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} الآية، لهم {إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} الآية. الجنة {عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً} خاصَّة {مِنْ دُونِ النَّاسِ} الآية، كما زعمتم، أي: من باقيهم من المؤمنين غيرهم، {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الآية، في زعمكم أن الجنة مخصوصة بكم؛ لأن من تيقن دخولها اشتقاق لها، وأحب التخلص من الدنيا وأكدارها، وتعلق بتمني الموت، الشرطان على أن الأوّل قيد في الثاني، أي: إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها، والموصل إليها الموت فتمنوه، "ثم قال" تلو الآية، والأولى إسقاطه {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} "الآية" من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم، وتحريفهم التوراة، فنفى عنهم التمني في جميع الأزمنة المستقبلة بقوله: لن وأبدًا، "فما تمنَّاه أحد منهم، فهو أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة الرسالة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غُصّ بريقة" يعني: يموت مكانه, فصرفهم الله عن تمنيه ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه، ذكره عياض. وفي الكشاف: فإن قلت: التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطَّلع عليه أحد، فمن أين علم أنهم لن يتمنوه؟ قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، وإنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، وليت كلمة تمنّ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب، ولو كان بالقلوب، لقالوا: قد تمنيناه بقلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوه. قال القطي في حواشيه: استدلَّ على أن التمني ليس من أفعال القلوب؛ لأن التحدي إنما يكون بأمر ظاهر، وفيه: إن التحدي إنما يكون بإظهار المعجز، لإلزام من لم يقبل الدعوى, والتمني ليس بمعجز، فهو كقول الخصم: احلف لي إن كنت صادقًا، ويمكن أن يقال: التحدي هنا لطلب دفع المعجزة، فإن إخباره بأنهم لن يتمنوه أبدًا معجزة, طلب دفعها بتمنيهم, والدفع إنما يكون بأمر ظاهر. "ومثل لقوله لقريش" {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الآية، {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا