للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٢٣] {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: ٢٤] فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا. وتعقَّب بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن بعضها وقع في زمنه -صلى الله عليه وسلم، كقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: ١] وبعضها بعده كقوله: {الم, غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: ١, ٢] فلو كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع، وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن, واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها.


النَّارَ} الآية، "فقطع بأنهم لا يفعلون" بإثبات النون على الصواب؛ لأن المراد الإخبار لا النهي، وفي نسخة بحذفها على الحكاية "فلم يفعلوا", وهذه الآية أبلغ في الإعجاز من التي قبلها؛ لأنه أمر معجز في نفسه في سائر الأزمنة، وإن كان الخطاب لقريش بخلاف التي قبلها، فإعجازه إنما هو بمجرد الإخبار عن عدم وقوعه منهم، وإن كان قول الإنسان: ليتني أموت ونحوه ممكنًا لهم ولغيرهم، ولذا فرق بينهما عياض، وإن ساوى بينهما المصنف تبعًا للكشاف.
"وتعقَّب" عدّ الخامس وجهًا للإعجاز، "بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن بعضها وقع في زمنه -صلى الله عليه وسلم، كقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية، هو فتح مكة، ونزلت مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها، وأتى به ماضيًا لتحقق وقوعه، وفيه من الفخامة والدلالة لى علوِّ شأن المخبر به ما لا يخفى.
وقال جماعة: المراد فتح الحديبية ووقوع الصلح، فالفتح لغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقًا حتى فتح الله، وعلى هذا القول ليست الآية من الإخبار بالغيب المستقبل، "وبعضها بعده، كقوله: " {الم, غُلِبَتِ الرُّومُ} على قراءة غلبت بالفتح، وسيغلبون بالضم، أي: إن الروم غلبت على الشام، وسيغلبهم المسلمون عليها وينزعونها منهم، فكان ذلك بعده -صلى الله عليه وسلم, فأمَّا على القراءة المشهورة بضم الغين، وسيغلبون بفتحها، فوقع ذلك في عهده -صلى الله عليه وسلم، كما هو مبيَّن في التفاسير والأخبار بما في جلبه طول، "فلو كان كما قالوا" أي: الذين عدوا وجه إعجازه الإخبار بما يكون، "لنازعوا" أي: الكفار، أي: لخاصموا وطلبوا "وقع المتوقع، "أي: حصول الأمور المتأخر حصولها عن زمن المصطفى، مع أنهم لم يطلبوا ذلك، "وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن" لا في كلها، فلو كان معجز الطلب منهم أن يأتوا بما يشتمل على الإخبار بالغيب ليصلح معارضة، "و" الحال أنه لم يطلب ذلك، بل "اكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة" بل أيّ سورة، "فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها" ولم يقع ذلك, فلا يصح جعل إخباره بالغيوب وجه إعجازه.

<<  <  ج: ص:  >  >>