للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السادس: إن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب الكلام فيها، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب، بَيِّنَ الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين.

فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا, فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها. وقد قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: ٨٨] فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن.....


"والسادس: إن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة" كبيان علوم الشرائع، والتنبيه على الحجج والعقليات، والرد على الفرق الضالة ببراهين قوية بينة، سهلة الألفاظ، موجزة، كقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الآية، {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: ٧٩] {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: ٢٢] الآية. إلى ما حواه من علوم السير والحكم وأخبار الآخرة ومحاسن الآداب، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: ٣٨] ومنها علم النجوم، لقوله تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} [يس: ٤٠] .
والطب: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف: ٣١] الآية. والمعارف الجزئية، والمعارف الجزئية، كقصة يوسف؛ إذ لا يعرفها إلّا من شاهدها، وغير ذلك.
"لم تتعاط العرب الكلام فيها" عامَّة, زاد القاضي: ولا محمد -صلى الله عليه وسلم- قبل نبوته، "ولا يحيط بها من علماء الأمم" السالفة، كالحكماء والأحبار، "واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب" من كتبهم، أي: لم يدوّن قبله، حتى يقال: أخذ علمه منها، {بَيِّنَ الله فيه} أي: القرآن "خبر الأولين، والآخرين وحكم المتخلفين" عن أمره ونهيه، والذين تخلفوا عن الجهاد مع نبيه، أو عن الإيمان، وتعللوا بعلل باطلة، فبيِّن لهم بطلان عللهم، وفضحهم بإظهاره، "وثواب المطيعين وعقاب العاصين، فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا، لا أن الإعجاز إنما حصل بجملتها، بل كل واحد حصل به إعجازهم عن معارضته، "فإذا" فحيث جمعها القرآن, فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها", وإن كان بعضها أقوى من غيره في الإعجاز، وقد قال تعالى" دليل سمعي على عجزهم عن معارضته: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ، "فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن في

<<  <  ج: ص:  >  >>