للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بأنه: "لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا:......


الرشد، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم". هذا لفظه في الترمذي، فاقتصر المصنف على حاجته منه، وقدَّم فيه وأخَّر، فقال بأنه: "لا يخلق" بفتح الياء، وضمَّ اللام وتفتتح، أي: لا يبلى ويتغير حاله، وبضم أوله، وكسر اللام من أخلق بمعنى خلق؛ لأنه جاء متعديًا ولازمًا، فلامه مثلثة بمعنى واحد، "على" بمعنى مع "كثرة الرد" بمعنى الترديد، أي: كثرة تكرار قراءته، والعادة أنها تؤثر وتفني ما كرر؛ كالثوب إذا كرر لبسه، ففيه استعارة مكنية وتخييلية، لتشبيهه بثوب رقيق، يلبس ليتجمل به، والمراد: أمَّا الملل منه، فهو دليل ما قدمه، أن قارئه لا يمله، وأما التصرف فيه بنحو تحريف، "ولا تنقضي عبره" بكسر المهملة، وفتح الموحدة، جمع عبرة بسكونها، أي: موعظة التي يعتبر بها، الحاملة على كمال الإيمان، الصارفة عن العصيان، عبارة عن كثرتها وبقائها، "ولا تفنى عجائبه" أي: لكثرتها لا تنفد، وتنتهي, جمع عجيبة، وهي كل ما يتعجب منه، فكلما أعيد النظر فيها ظهر ما هو أغرب وأعجب من الأول، "هو الفصل" أي: الحد الفاصل بين الحق والباطل، أو المفصول المتميز عن غيره، فعل، بمعنى فاعل أو مفعول، "ليس بالهزل" اللعب، أي: لا لعب فيه ولا كلام سخيف، وهو في الأصل من الهزل ضد السمن، فهو كله سمين لا غثّ فيه، لما فيه من الأوامر والنواهي التي يهابها سامعها، "لا تشبع منه العلماء" أي: لا تستغنى عنه، ولا تزال تستنبط منه معاني وفوائد في كل حين، وفي الحديث: "منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب دنيا" فشبهه بمأكول بأقوام الحياة، إلّا أن كل مأكول يشبع آكله إذا امتلأ جوفه منه، وهذا بخلاف ذلك, موائد فوائده ممدودة، وألوان لذائذه غير مقطوعة ولا ممنوعة، "ولا تزيغ"، بفتح الفوقية، وكسر الزاي، وتحتية معجمة، تميل "به الأهواء" بالمد: جمع هوى، وهو ما تهواه وتشتهيه الأنفس من الضلال، أي: لا يصل من اتبعه، ويميل إلى هوى نفسه الأمَّارة، "ولا تلتبس به الألسنة" جمع لسان: وهو الجارحة, شاع في اللغات، فالمعنى لا يشبه غيره من الكلام، فلا يمكن اختلاطه به وإدخاله فيه؛ لأن أسلوبه ونظمه لا يشبه غيره، فالمراد: أنه لا يمكن أن يدس فيه دسيسة، "هو الذي لم تنته" لم تنكف وتترك "الجن حين سمعته أن قالوا" بفتح الهمزة، ومحله نصب أو جر، بتقدير عن {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} الآية، في بلاغته، وعلوّ رتبته، وبركته وعزته {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} الآية، يدل على الصواب من الإيمان والتوحيد، وهو تبكيت لقريش؛ إذ مكثوا سنين مع فصاحتهم لم يهتدوا، والجن بمجرد سماعه آمنوا بلا توقف، وتقدمت

<<  <  ج: ص:  >  >>