والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله, وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات،.....................
"والثالث: إن وجه إعجازه" فيما قاله جماعة من الأئمة، كما في الشفاء، "هو أن قارئه لا يمله" لا يضجر ولا يسأم منه، ولو أعاده مرارًا، مع أن الطباع جبلت على معاداة المعادات، "وسامعه لا يمجه" بضم الميم: لا يعرض عنه ولا يكره تكراره على سمعه, فحقيقة المج: طرح المائع من الفم، فإن كان غير مائع، قيل: لفَظ, وعبَّر في الأول بالملل تشبيهًا للقارئ بصانع يتعاطى الصناعة، والغالب حصول الملل، وفي الثاني بالمج تشبيهًا للسامع بواضع المائع في فمه، وتشبيه المسموعات بالمذوقات استعارة لطيفة؛ إذ أقام الإذن مقام الفم، واللفظ مقام المائع لرقته، كما قيل: وتغير المعتاد يحسن بعضه ... للورد خد بالأنوف يقبل فاستعير لتركه، فكأنه كالنفس لا يمل منه مع تكرره؛ لأنه مادة الحياة. كم قيل: ورى حديثك ما أمللت مستمعًا ... ومن يمل من الأنفاس ترديدًا "بل الإكباب" الملازمة "على تلاوته يزيده حلاوة" ترقى من عدم الملل إلى زيادة الحلاوة، وأصاب المحزلان ما يمجّ مرّ أو مالح، يكره طبعًا، والحلاوة في المذوقات، وهي أجسام، حلاوة الكلام مجاز، ومعناه تميل القلوب إليه وتقبله، فيصير بذلك كالحلو المستلذ من المذوقات، "وترديده" إعادته وتكريره مرة بعد أخرى، "يوجب له محبة" لزيادة حلاوته وحسنه، "وطلاوة:" حسنًا وبهجة وقبولًا، مثلث الطاء، كما مَرَّ قريبًا، "ولا يزال" كلما كرر "غضًّا" بمعجمتين، أي: جديجًا مجاز من غض الصوت والطرف، "طريًّا" أي: رطبًا ناعمًا، فلا تتغير بهجته ونضارته, فكأنه في كل مرة قريب العهد بالنزول، وقال التلمساني: عمَّا بمعنى ولا يبعد أن معنى غضًّا، رطبًا وطريًّا ناعمًا، فكأنه قال: لا يزال طريًّا ناعمًا غير يابس، وذلك كناية عن حلاوة ما يجده الإنسان من النشاط عند تلاوته، فأشبه النبت الذي تميل النفس إليه وتلتذّ به، "وغيره من الكلام، ولو" فرض أنه "بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه" أي: غايته في حسنه، "يمل" بالبناء للمجهول، أي: يملّه قارئه وسامعه "مع الترديد" أي: التكرير مرارًا، "ويعادى إذا أعيد" أي: يكره ويثقل، وتنفر منه النفس، كنفرتها ممن يعاديها، وهذا على فرض المحال لما مر أنه لا يوجد مثله، ولا ما يقرب منه، كذا قال شارح بناء على عود، ضمير مبلغه للقرآن، فلو أعيد للكلام لم يحج لذلك، وكتابنا" معاشر الأمة المحمدية، النازل إلينا بواسطة نبينا -صلى الله عليه وسلم "يستلذ به في الخلوات" أي: يجد قارئه لذة إذا اختلى بقراءته،