للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ببديع نظمه, وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه، فإنه حجة الله الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلّا تهافت تهافت الفراش في الشهاب، ودلَّ ذل النقد حول الليوث الغضاب.

وقد حكى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزل -بتخفيف الزاي وقد تشدد, وكان بليغ الأندلس في زمانه........


قرع الباب "ببديع نظمه" أي: بسبب تأليفه البديع, فهو من إضافة الصفة للموصوف، "و" ريب أنه "في بلاغته قد أصاب المعاني" أدركها؛ بحيث أخذ منها أوفرها وأعذبها، "بصائب سهمه" من إضافة الصفة للموصوف أيضًا، فإن قيل: الباء سببية أو آلية، وذلك يقتضي مغايرة السبب والآلة للمسبب، وللمجعول له الآلة والقرآن واحد، فالجواب: إنه يجعل صائب السهم وصفًا زائدًا على بلاغته، ولفظه: "فإنه حجة الله" برهانه "الواضحة ومحجته" -بفتح الميم- طريقه "اللائحة" الظاهرة، "ودليله القاهر" الغالب، فإن الدليل إذا قوي وظهر قهر الخصم وقطعه، "وبرهانه الباهر" الغالب الظاهر، ما رام قصد معارضته شقي إلّا تهافت، تساقط وذلَّ وانخفض عن نوع العقلاء، حتى كأنه رمى نفسه في المهالك، كما أفاده بقوله: "تهافت الفراش" -بالفتح- جمع فراشة, طائر معروف يتساقط في الشهاب، ككتاب شعلة من نار ساطعة، "ودلَّ, ذلَّ النقد" -بفتح النون والقاف، والذال المهملة- نوع من الغنم قبيح الشكل, "حول الليوث" جمع ليث الأسود، "الغضاب" جمع غضبان، كعطاش وعطشان.
"وقد حكي عن غير واحد ممن عارضه" أي: قصد معارضته بكلام يماثله، "أنه اعترته:" حدثت له وأصابته "روعة" -بفتح الراء وسكون الواو: فزعة, "وهيبة" أي: مخافة "كفته" منعته "عن ذلك" الذي أراده من المعارضة، "كما حكى عن يحيى بن حكيم" بزنة طبيب، قال في التبصير: شاعر أندلسي بديع القول، مات سنة خمس وخمسين ومائتين في عشر المائة، انتهى. وسمي في الشفاء والده الحكم بفتحتين، "الغزال، تخفيف الزاي" كما جزم به الذهبي في المشتبه، والحافظ في تبصيره: علم منقول من اسم الحيوان، لقَّبه به هشام بن الحكم الجياني في صغره لحسنه، "وقد تشدَّد" فهو وصف منسوب لصنعة الغزال، "وكان بليغ الأندلس" -بفتح الهمزة، وضم الدال، وفتحها، وضم اللام فقط- "في زمانه" أي: معروفًا بالبلاغة وفصاحة النظم والنثر في عصره، وهو بكري قرطبي الدار، وله شعر في غاية الحسن، وارتحل إلى مصر، ثم عاد للأندلس، ويقال: إنه بلغ من العمر مائة وثلاثين سنة، وأرسل رسولًا لبلاد الفرنج، فأعجب ملكها ونادمه، وسألته زوجته عن سنِّه، فقال: عشرين، فقالت: فما هذا الشيب؟ فقال: أمَا رأيت

<<  <  ج: ص:  >  >>