للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنه قد رام شيئًا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج على منوالها، فاعترته خشية ورِقَّة، حملته على التوبة والإنابة.

ويحكى أن ابن المقفع -وكان أفصح أهل وقته- طلب ذلك ورامه, ونظم كلامًا وجعله مفصلًا وسماه سورًا, فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ..........} [هود: ٤٤] الآية فرجع ومحى ما عمله....................


مهرًا ولد أشهب، فضحكت، "أنه قد رام" قصد "شيئًا من هذا" أي: معارضة القرآن "فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها" من حدوته بمهملة ومعجمة، إذا قمت بحذائه، أي: مقابله، فالمعنى: ليقول مثلها بزعمه، "وينسج" بكسر السين "على منوالها، بكسر الميم: خشبة ينسج عليها الثياب، وهو بمعنى ما قبله "فاعترته" أي: عرض له في حال النظر "خشية" خوف أو ضعف ولين "حملته على التوبة" عمَّا كان راحه والنوم عليه, "والإنابة" الرجوع عنه لعلَّة أنه أمر وتعظيم "ورقة" في قلبه وخشوع لا يقدر عليه البشر.
"ويحكى أن ابن المقفع" بضم الميم، وفتح القاف، والفاء المشددة قبل العين المهملة، كما ضبطه في المقتفي، وفي القاموس، رجل مقفَّع اليدين، كعظم متشنجهما، وموان بن المقفع تابعي، وأبو محمد عبد الله بن المقفع، فصيح بليغ، كان اسمه روزيه أو داذية بن داذ جشنش قبل إسلامه، وكنيته أبو عمرو، لقِّب أبوه بالمقفع؛ لأن الحجاج ضربه فتقفعت يده، وتقفع تقبض، انتهى.
وقال ابن مكي في تثقيف اللسان: الصواب فيه المقفع -بكسر الفاء؛ لأنه كان يعمل القفاع: جمع قفعة وهي شيء يشبه الزنبيل بلا عروة من خصوص، ويقال: إنه كاتب المنصور، قتله سفيان المهلبي لما ولي البصرة، وحضره أهلها، وفيهم ابن المقفع، فذكر عنده الوطيس، فلم يعرفه، وسأل الحاضرين عنه، فضحك ابن المقفع، فلمَّا انصرفوا أمر ابن المقفع بالجلوس حتى خلا المجلس، فأمر بتنور عظيم، فأسجر، وأمر بطرحه فيها، فاحترق، وكان من جملة قوم زنادقة يجتمعون على الطعن في القرآن، وصياغة هذيان يعارضون بها، "وكان أفصح أهل وقته" زمانه وعصره الموجود فيه، "طلب ذلك ورامه، ونظم كلامًا، وجعله مفصلًا وسماه سورًا، فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} الآية. الذي نبع منك, فشربته دون ما نزل من السماء، فصار أنهارًا وبحارًا {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} الآية، أمسكي عن المطر، فأمسكت {وَغِيضَ} نقص {الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} "الآية" ثم هلاك قوم نوح, {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، الجودي، جبل بالجزيرة بقرب الموصل، "فرجع ومحا" جميع ما عمله" أي: غسله، وأبطل ما في صحفه لما رآها لا مناسبة بينها وبين شيء

<<  <  ج: ص:  >  >>