فلا يدخل في شيء منها, ولا يختلط بها, مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيَّرت عقولهم، وتدلهت أحلامهم, ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم، فلا ريب أنه في فصاحته قد قرع القلوب..........................
قال المجد: السجع: الكلام المقفَّى، أو موالاة الكلام على رويّ, جمعه أسجاع وسجوع وسجع كمنع, نطق بكلام له فواصل، وسجعت الحمامة: رددت صوتها. وفي المصباح: إن تسمية مثل هذا سجعًا لتشبيهه بهدر الحمامة، والفرق بينه وبين الشعر أنه يعتبر فيه الوزن قصدًا بخلاف السجع, فلا يعتبر فيه الوزن هذا، ومغايرة الثاني للأول من حيث أنه لوحظ فيه جانب المعنى، ككون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال من التأكيد وغيره، والثاني: لوحظ فيه جانب اللفظ المتعلق بكيفية التأليف من الحذف لبعض الأجزاء وغيره، بدليل قوله: من النظم........... إلخ، وبه يصرّح كلام القاضي المتقدم. "فلا يدخل في شيء منها" حتى يتَّصف بشيء من الأوصاف التي بني عليها كلام العرب، بل هو أعلى منها وأغلى، وإن شاركها في أنه مؤلف من كلماتهم، ونزل على أساليب كلامهم، نظرًا لأصل اشتماله على تراكيب من نوع تراكيبهم، لكن تراكيب القرآن في أعلى طبقات الفصاحة، فلم يعد شيء منه داخلًا في جنس كلامهم, ولا يختلط" أي: يشتبه بها", بحيث لو جمع شيء منه مع كلامهم تميز عنه تميزًا، لا يخفى على أحد، ومثل ذلك لا يكون من الخلط في شيء، "مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة" بالنصب عطفًا على محل ما قبله؛ لأنه خبر كون "في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيَّرت عقولهم" وقعت في الحيرة، فالعناد يمنعهم من الاعتراف أنه من عند الله، وظهور إعجازه في قولهم: مفترى وسحر ونحو ذلك، "وتدلهت،" -بفتح أوله، والمهملة واللام الثقيلة- دهشت وتحيِّرت في شأنه، "أحلامهم" عقولهم، فهو قريب مما قبله. وفي نسخة: تولهت بواو، وبدل الدال من الوله، وهو الحيرة أيضًا، قال بعض: والأحسن تفسير التدله بذهاب العقل من الهوى, فيكون ترقى من خيرته إلى ذهابه، "ولم يهتدوا إلى مثله، "أي: ألم يقدروا على الإتيان بما يماثله أو يقرب منه، ولا سمعوه من فصائحهم، "في حسن كلامهم" الذي يقدرون عليه، ونفى به قواهم البشرية من نظر، أو نظم، أو رجز، أو شعر، "فلا ريب،" لا شكَّ في "أنه في فصاحته قد قرع القلوب" أثَّر فيها، إذا ورد عليها أثرًا، كتأثير من