فقالت: أَوَتَعُدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وحكي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،................
والتحتية للمجهول، وفتح همزة الاستهام والواو العاطفة، والهمزة مقدمة من تأخير، أو داخلة على مقدر معطوف عليه على الخلاف الشهير، أي: أتعجب وتعد هذا" الكلام "فصاحة؟ أي: فصيحًا، "بعد قوله تعالى" أي: مع فصاحة القرآن، لا يعد غيره فصيحًا لسامعه، فإنه أزرى بكل فصاحة فصيرها كالعدم، "وأوحينا" الآية، وحي إلهام أو منام {إِلَى أُمِّ مُوسَى} الآية. ولم يشعر بولادته عن أخته {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} الآية. البحر، أي: النيل {وَلا تَخَافِي} الآية. "غرقه" {وَلا تَحْزَنِي} الآية، لفراقه، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، الآية فأرضعته ثلاثة أشهر، لا يبكي، وخافت عليه، فوضعته في تابوت مطلي بالقار من داخل، ممهد له, وألقته في بحر النيل ليلًا، "فجمع في آية واحدة بين أمرين:" أرضعيه وألقيه، "ونهيين" ولا تخافي ولا تحزني, و"خبرين" {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} , {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} "وبشارتين" {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} الآية. وهذا أولى من جعل الخبرين: أوحينا وخفت؛ لأنَّ أوحينا وحده ليس هو المقصود بالإخبارية، وخفت، وإن كان خبرًا في الأصل لكنه باقترانه بأداة الشرط خرج عن كونه خبرًا، ولا يضر كون {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} خبرًا وبشارة، لاختلاف الجهة فيهما، ثم المراد بالفصاحة هنا البلاغة؛ لأنها تطلق عليها، كما قال عبد القاهر. قال في الشفاء: فهذا، أي: الجمع بين ما ذكر في آية واحدة نوع من إعجازه، منفرد بذاته، غير مضاف لغيره على التحقيق والصحيح. "وحكي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يومًا نائمًا في المسجد" النبوي, فإذا -فجائية- برجل" بباء الملابسة على رأسه" أي: منتصف القامة بجانب رأس عمر، وهو حقيقة عرفية في مثله "يتشهد شهادة الحق" أي: ينطق بالشهادة, فاستخبره، فأعلمه، كما في الشفاء فسقط من الناسخ لفظ: فاستخبره, وفي نسخة: خبَّره، أنَّه من بطارقة الروم -جمع بطريق، ككبريت- القائد من قواد الروم، تحت يده عشرة آلاف رجل، كما في القاموس.