وسمع آخر رجلًا يقرأ:{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا}[يوسف: ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وحكى الأصمعي: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها، فقلت لها: ممن تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت:
استغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانًا بغير حله
مثل غزال ناعم في دله ... انتصف الليل ولم أصله
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك،................... ......................
سجدت لله لأجل فصاحته، كما وهم وسمع أعرابي "آخر رجلًا يقرأ {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} الآية، يئسوا من يوسف، وزيدت السين والتاء للمبالغة في اليأس، {خَلَصُوا} ، اعتزلوا {نَجِيًّا} الآية، مصدر يصلح للواحد وغيره، أي: يناجي بعضهم بعضًا، "فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام"؛ لإعجاز بلاغته وخروجها عن طوق البشر، فإنك لو وزنت قولك، لما لم يطعم يوسف، ولم يجبهم، ذهبوا وتشاوروا فيما بينهم فيما يقولون بعد هذا، وكيف يرجعون لأبيهم، عرفت بالذوق أن لا مناسبة بينهما. "وحكى الأصمعي" بفتح الهمزة، والميم، بينهما مهملة ساكنة، ثم مهملة، نسبة إلى جده، فإنه عبد الملك بن قريب بالتصغير، ابن عبد الملك بن علي بن أصمع, أبو سعيد الباهلي، البصري، صدوق سني، روى له أبو داود والترمذي، مات سنة ست عشرة، وقيل: سنة عشر ومائتين وقد قارب تسعين "أنه رأى جارية" أي: صغيرة السن، "خماسية، أو سداسية" بلغت خمسًا أو ستًا" "وهي تقول: أستغفر الله من ذنوبي كلها،" قال الأصمعي: "فقلت لها مِمَّ تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ إذ لم تبلغي الحلم، فقالت:" أستغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانًا بغير حله بالكسر، أي: لا بسبب يبيح قتله، "مثل غزال " صفة إنسانًا "ناعم في دله" أي: تُدَلِّلُه وتكسره في مشيته، "انتصف الليل ولم أصله، إخبار عن ذنب آخر أي: لم أتهجد فيه ثم يحتمل أن المراد بإنسانًا نفسها، أي: قتلت نفسي بعدم فعل الطاعات لانتصاف الليل وما صليت، ويحتمل غيرها، والقتل له حقيقي أو مجازي عن هجرها له ونحوه، أي: كدت أقتله، وهذا أظهر؛ إذ قتلها الحقيقي أو بالعشق بعيد لصغرها جدًّا، "فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك, تعجب من فصاحتها مبالغًا في تعجبه, فإنها تقال لمن أتى بأمر بديع غريب، وليس المراد حقيقة لدعاء, بل شدة الاستحسان كأنه ممن يستحق أن يحسد ويدعى عليه، "فقالت: أو تعد" بالفوقية للمعلوم".