مثل قوله:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}[البقرة: ١٧٩] فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير.
وحكى أبو عبيد: أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}[الحجر: ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام...............................................
الكلام الفاضل فالأول أعلاها، والثاني أوسطها, والثالث أدناها وأقربها, فجاءت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الثلاثة, فانتظم لها بذلك نمط يجمع صفة الفخامة والعذوبة، وأطال في بيان ذلك نقله في الإتقان, ثم قال: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة بعد اتفاقهم على أنه في أعلى مراتب البلاغة، بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشد تناسبًا، ولا اعتدالًا في إفادة المعنى منه، فاختار القاضي المنع، وإن كان كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا، وإن كان بعض الناس أحسن إحساسًا له من بعض. واختار أبو نصر القشيري وغيره التفاوت، وأن فيه الأفصح والفصيح, وإليه نحا العز بن عبد السلام وأورد: لِمَ لم يأت القرآن جميعه بالأفصح، وأجاب غيره، بأنه لو جاء على ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتمّ الحجة في الإعجاز, فجاء على نمطهم المعتاد ليتمَّ ظهور العجز عن معارضته، ولا يقولوا مثلًا: أتيتنا بما لا قدرة لنا على جنسه، كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: غلبتك بنظري؛ لأنه يول له: إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادرًا على النظر, وكان نظرك أقوى من نظري، فأمَّا إذا فقد أصل النظر، فكيف يصح معنى المعارضة، انتهى، والرصيف بفتح الراء وكسر المهملة وبالفاء، الشديد المضموم، والجزل، بفتح الجيم، وسكون الزاي، فلام القوي الشديد الرونق، "مثل قوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} الآية، أي: بقاء عظيم، "فجمع في كلمتين" هما المبتدأ والخبر؛ لأنهم لا يعتبرون جزء الكلمة، وأما قوله: {وَلَكُمْ} فخبر آخر لحياة، أو أحدهما خبرًا، والآخر صلة له "عدد حروفهما عشرة أحرف" بحذف ألف أل والياء في قوله, في، لأنهم إنما يعدون ما ينطقون به لا ما يكتب، والعرب لم تكن تعرف الكتابة "معاني كلام كثير". "وحكى أبو عبيد" القاسم بن سلام البغدادي أحد الأعلام، مَرَّ بعض ترجمته، "أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} الآية. جهر به من صدع بالحجة إذا تكلم جهارًا، أو افرق به بين الحق والباطل، وأصله: الإبانة والتمييز، وما مصدرية أو موصولة, والعائد محذوف, أي: بما تؤمر به من الشرائع، كما في البيضاوي "فسجد" الأعرابي لما أدهشه من بلاغته، "وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام"؛ إذ ليست آية سجدة، وإنما هزَّه العجب لفصاحته، حتى ذلَّ ومرَّغ وجهه في التراب، وكان هذا معروفًا في مثله، حتى قال بعضهم للشعر، سجدات وليس المعنى: