للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ممن يحسن كلام العرب وغيرها, وأنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم, فتأملتها فإذا قد جمع الله فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة, وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} [النور: ٥٢] الآية.

وقد رام فوق من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة، وحظًّا من البيان، أن يضعوا شيئًا يلبسون به، فلمَّا وجده مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع الشبهة على الجهال فيما قلَّ عدد....................


وقال الجواليقي: لما سمعت العرب أن البطارقة أهل رئاسة، وصفوا الرئيس به يريدون المدح، قال أبو ذؤيب:
هم رجعوا بالعرج والقوم شهد ... هوازم يخدوها حماة بطارق
"ممن يحسن كلام العرب وغيرها" من عبرانية وسريانية ورومية، وهذا توطئة؛ لأنه يفهم القرآن والإنجيل ويقدر على النظر في معانيهما، ولذا قال: وإنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم" أيها المسلمون، يعني القرآن، "فتأملتها" نظرت بفكري في معناها، "فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة" بان لما, أي: من الأحوال التي تلزم العبد في الدنيا التي هو سبب النجاة والفوز في الآخرة وهي قوله تعالى {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن {وَيَخْشَ اللَّهَ} ألآية" يخفه فيما صدر عنه من الذنوب، {وَيَتَّقْهِ} الآية، يجتنب ما يوجب عقوبته، فيما بقي من عمره الآية، أي: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} الآية، بالنعيم المقيم أو سعادة الدارين, وذلك لأنها آمرة بجميع الطاعات, وباجتناب جميع المعاصي, والمبادر إلى التوبة والفوز بالمطلوب"وقد رام قوم من أهل الزيغ" الميل عن الحق إلى الباطل، التوبة والفوز بالمطلوب, وقد رام قوم من أهل الزيغ: الميل عن الحق إلى الباطل، والإلحاد: الطعن في الدين "أوتوا طرفًا من البلاغة وحظًّا" نصيبًا "من البيان أن يضعوا شيئًا يلبسون -بفتح أوله، وسكون اللام وفتح الباء وكسرها، وبضم أوله، وفتح اللام وشد الباء- مكسوة من التلبيس شدد مبالغة يخلطون به, فلما وجده مكان النجم من يد المتناول, أي: بعيدًا لا يتخيل الوصول إليه، كما لا يتخيل أحد أن يتناول نجمًا بيده من محله، "مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع" أي: دخول الشبهة على الجهال" القاصرة عقولهم عن تمييز الحسن من القبيح، ولو قال: لإيقاع كان أَوْلَى؛ لأن الغرض منه فعله وتزويجه ما يقول: "فيما قلَّ عدد حروفه؛ لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال،

<<  <  ج: ص:  >  >>