طلعته، وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل الغني فقيرًا، والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله، من قِبَل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
طلعته،" ليذبّوا عنه ما يكره ويعاونوه على ما يريد، "وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم:" جمع مهجة: الدم أو دم القلب والروح، كما في القاموس، فقوله: "وأرواحهم" تفسيريّ على الثالث "في نصرته ونصبوا وجوههم" جعلوها كالهدف الذي ينصب لوقع السيوف", والسهام والرماح، حيث نصحوا في محاربة أعدائه، ووطَّنوا أنفسهم على إصابة ذلك لوجوههم وصدورهم "في" لأجل "إعزاز كلمته"، إعلاء دينه وإظهاره، "بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل" أي: أمر في الزمن الحاضر، "أطمعهم في نيله، يحوونه" فيرغبون بسببه، "أو ملك، أو شرف في الدنيا يحوزونه،" بل ليس ثَمَّ ما يحملهم على الجهاد معه، وإنما محض غرضهم إظهار الحق وإخماد الباطل، وخص العاجل؛ لأنه أدعى للرغبة في معالجة النفس لحصوله، "بل كان من شأنه -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل الغني فقيرًا" يحمله على صرف أمواله في الجهاد ونحوه من أنواع اقُرَب، كأبي بكر، أو بأن يصيِّره كالفقراء في تهذيب النفس، وعدم الفخر، والإعراض عن الأسباب المشعرة بنحو الكبر، "والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد، هذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحق" جواب الاستفهام، "وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب" يشك "عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلّا من له الخلق" جميعًا "والأمر" كله، "تبارك" تعاظم "الله رب" مالك "العالمين". وبهذه الآية استدلّ سفيان بن عيينه على أن القرآن غير مخلوق، أخرجه ابن أبي حاتم؛ لأن الأمر هو الكلام، وقد عطفه على الخلق, فاقتضى أن يكون غيره؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وسبقه إلى هذا الاستنباط محمد بن كعب القرظي، ذكره في الإكليل.