للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن دلائل نبوته -عليه الصلاة والسلام- أنه كان أميًّا، لا يخط كتابًا بيده ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضيين، ولم يخرج في سفر ضاربًا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحُرّفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّا القليل, ثم حاج كان فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد


وقال في فتح الباري: قوله تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} الآية، يخص به قوله تعالى الله:" {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الآية، ولذا أعقبه البخاري بقوله: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} الآية، وهذا الأثر وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية، فقال: الخلق هو المخلوق، والأمر هو الكلام، وسئل مرة عن القرآن: أهو مخلوق؟ فقرأ الآية وقال: ألا ترى كيف فرَّق بين الخلق والأمر، فالأمر كلامه، فلو كان مخلوقًا لم يفرق، وسبق ابن عيينة، إلى ذلك محمد بن كعب القرظي، وأحمد بن حنبل وعبد السلام بن عاصم وطائفة، أخرجه ابن أبي حاتم، انتهى.
"ومن دلائل نبوته" المستلزمة لرسالته؛ لاستحالة الكذب على النبي، وقد قال: "أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا" "عليه الصلاة والسلام أنه كان أميًّا لا يخط كتابًا بيده" صفة لازمة, فالأمي من لا يكتب نسبة إلى الأم، لبقائه على الحالة التي لد عليها؛ إذ الكتابة مكتسبة، أو إلى أمة العرب؛ لأن أكثرهم أميون. وقد قال -صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" رواه الشيخان وغيرهما، عن ابن عمر، "ولا يقرؤه"؛ لأن عادة من لا يحسن الكتابة لا يحسن القراءة، "ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم" أي: بينهم، وأظهر زائد "في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضيين، ولم يخرج في سفر ضاربًا" بموحدة: قاصدًا "إلى عالم، فيعكف" بكسر الكاف وضمها عليه" ليتعلم منه، "فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية" أي: ذكر لهم ذلك وعَبَّر عنه بجاء، أي: كأنه؛ لأنه هو الذي جاءهم إلى منازلهم حرصًا على تبليغ الرسالة ما أمكنه، "وقد كان ذهبت معالم، أي: آثار "تلك الكتب" التي تخبر بما دلت عليه واستعمال معالم جمع معلم، هو الأثر يستدل به على الطريق في آثار الكتب مجاز، "ودرست وحُرِّفت" أي: بذلت "عن مواضعها" التي وضعها الله عليه، "ولم يبق من المستمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّا القليل،" ولقلتهم لم يجمع -صلى الله عليه وسلم- بأحد منهم حتى يظن أنه أخذ عنهم، "ثم حاجَّ" جادل "كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما،" أي شيء، أي: ببراهين، "لو احتشد" بهمزة وصل، وسكون المهملة، وفوقية معجمة مفتوحتين،

<<  <  ج: ص:  >  >>