وقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد
الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من خير وشر، كذا في النهاية. وفي المصباح: الطبع -بالسكون: الجبلة التي خلق الإنسان عليها. قال الديريني: والعادة جارية بأنَّ من ارتضع امرأة غلب عليه أخلاقها من خير وشر، ومن ثَمَّ لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته، ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرضع ثدي غير أمه اختطفه منها، ثم نكس رأسه ومسح بطنه، وأدخل أصبعه في فيه، ولم يزل يفعل كذلك حتى خرد ذلك اللبن, قائلًا: يسهل علي موته، ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر الإمام كان إذا حصلت له كبوة في المناظر، يقول: هذه من بقايا تلك الرضعة، "رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر" بن الخطاب، والقضاعي، والديلمي، وابن لال عن ابن عباس، وادَّعى بعضهم أنه حديث حسن، وتعقَّب بأن فيه صالح بن عبد الجبار. قال في الميزان: أتى بخبر متكبر جدًّا، وساق هذا الحديث، وفيه أيضًا عبد الملك بن مسلمة, مدني ضعيف. "وقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا إيمان" كامل "لمن لا أمانة له" "، فالأمانة لب الإيمان، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، وهي في العين، والسمع، واللسان، واليد، والرجل، والبطن، والفرج، فمتى ضيع جزء منها ضعف إيمانه بقدره، "ولا دين"، أي: لا خضوع، ولا انقياد لأوامر اله ونواهيه وأمانته، والعهد الذي وضعه الله بينه وبين عباده يوم إقرارهم بالربوبية في حمل أعباء الوفاء في جميع جوارحه، فمن استكمل الدين استوفى الجزاء، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} ، "لمن لا عهد له"؛ لأنَّ الله إنما جعل المؤمن مؤمنًا ليأمن الخلق جَوْرَه، والله عدل لا يجور، وإنما عهد إليه؛ ليخضع له بذلك العهد فيأتمر بأموره، ذكره الحكيم والترمذي. قال البيضاوي: هذا وأمثاله وعيد لا يراد به الوقوع، وإنما يقصد به الزجر والردع، ونفي الفضيلة والكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله. وقال المظهري: معنى: "لا دين لمن لا عهد له"، أنَّ من جرى بينه وبين أحد عهد، ثم غدر بلا غدر شرعي، فدينه ناقص, إما لعذر، كنقض الإمام المعاهدة مع الحربي لمصلحة, فجائز. قال الطيبي: وفي الحديث إشكال؛ لأنَّ الدين والإيمان والإسلام أسماء مترادفة موضوعة، لمفهوم واحد في عرف الشرع، فلِمَ فرَّق بينها، وخص كل واحد منها بمعنى، وجوابه أنهما وإن اتفقا لفظًا، فقد اختلفا هنا معنًى؛ لأن الأمانة ومراعاتها إمَّا مع الله، فهي ما كُلِّفَ به من الطاعة، وتسمَّى أمانة؛ لأنه لازم الوجود، كما أنَّ الأمانة لازمة الأداء، وأمَّا مع الخلق فظاهر، وأن العهد