للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا تخن من خانك".

رواه أبو داود والترمذي من رواية شريك وقيس بن الربيع،


فله الكرامة، وقيل: هي لا إله إلا الله، وهو بعيد، فالأكوان ناطقة بأن الله واحد، وقيل: هي الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، والأذن كذلك، وبقية الأعضاء، وقيل: هي معرفة الله، ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة، رواغة عنه مضايق الأمانة، وربما تأوّلت جوازها مع من لم يلتزمها، أعقبه بقوله: "ولا تخن من خانك" أو لأنَّ الأول عام، والثاني في شيء خاص، فلا يقال: يستغني بالأول عن الثاني، أي: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحد حقه؛ إذ لا تعدي فيه، أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنًا، أي: جائزًا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، وادفع بالتي هي أحسن.
قال الطيبي: وهذا أحسن، وهذه مسألة خلافية، "لا تخن من خانك مطلقًا"، وهذا ظاهر الحديث: خن من خانك، قاله الشافعي، وهو مشهور. ومذهب مالك، وأجابوا عن ذا الحديث: بأنه لم يثبت أولًا، أتأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل، كما مَرَّ، واحتجوا بقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤] ، وبحديث هند، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ثالثها: إن كان من ائتمنك عليه، من خانك فلا تخنه، وإن كان ليس في يدك، فخذ حقك منه، قاله مالك.
رابعها: إن كان من جنس حقك فخذ، وإلّا فلا، قاله أبو حنيفة.
قال ابن العربي: والصحيح جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه، أو غير جنسه إذا عدلت؛ لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اطررت انتهى. وسبب الحديث، كما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده أن رجلًا زنى بامرأة آخر، ثم تمكَّن الآخر من زوجة الزاني، بأن تركها عنده وسافر، فاستشار النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمر، فقال له، فذكره.
"رواه" البخاري في التاريخ، "وأبو داود، والترمذي" في البيوع، "من رواية شريك" بن عبد الله النخعي، الكوفي، قاضيها, صدوق, يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع، أو ثمان وسبعين ومائة، "وقيس بن الربيع" الأسدي الكوفي، ضعيف, تغيِّر لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به، مات سنة بضع وستين ومائة، "كلاهما عن أبي صالح"، ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت،

<<  <  ج: ص:  >  >>