للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن شواهده أيضًا: ما للعسكري عن أنس رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد". وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال نصف العلم, والرفق نصف المعيشة".

وفي صحيح ابن حِبَّان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق". وهذا


بدليل اللفظ السابق "والرفق"، أي: الاقتصاد في النفقة بقدر ذات "نصف المعيشة"، وهي ما يعاش به من أسباب العيش، "وما عال امرؤ"، أي: افتقر، "في اقتصاد"، وورد: الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة، ورواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في الفردوس: خير من كثير من التجارة، "وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال"، أي: حسنه، "نصف العلم، والرفق نصف المعيشة"، وجاء في خبر: من فقه الرجل رفقه في معيشته.
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأوّل قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ، فإن الرزق مقسوم، فلعلَّ رزقه قليل، فينفق نفقة الموسع، ويبقى فقيرًا حتى يموت، بل معنى الآية: إن ما كان من خلف فمنه سبحانه، فلعله إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار كان خيرًا من معاناة بعض التجار.
"وفي صيح ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال له: "يا أبا ذر, لا عقل"، أي: لا شيء مما يؤدي إليه العقل من المحاسن، "كالتدبير"، وهو النظر في العواقب لأمن صاحبه الغوائل والوقوع فيما يضره.
قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع، وقال القيصري: هو خاطر الروح العقلي، وهو خاطر التدبير لأمر المملكة الإنسانية، والنظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، ومنه يؤخذ الفهوم والعلوم الربانية، "ولا ورع"، أي: لا شيء من أسبابٍ تؤدي إلى الورع، وهو اجتناب الشبهات، خوفًا من الوقوع في الحرام، "كالكف" أي: منع النفس عن الحرام والمكروه، فمن فعله بَعُدَ عن الشبهات، والورع في الأصل الكَفّ، ثم استُعِيرَ للكفّ عن المحارم، فإن قيل: يلزم اتحاد المشبّه والمشبَّه به، أجيب بأنه إذا أطلق فهم منه كف الأذى، أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع كالصمت، أو كفّ الأذى عن الناس، أو عن المحارم، "ولا حسب"، أي: لا شيء يفتخر به من الصفات الحميدة، "كحسن الخلق" مع الخلق، فالأوَّل عام والثاني خاص، و"هذا اللفظ عند البيهقي في الشعب"، وقد أبعد شيخه السخاوي النجعة في الغزو، فإنه في سنن

<<  <  ج: ص:  >  >>