للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله -عليه الصلاة والسلام: "القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى".

رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، والقضاعي بدون: وكنز لا يفنى, عن أنس.

وفي القناعة أحاديث كثيرة، ولو لم يكن في القناعة إلّا التمتع بالعزِّ لكفى صاحبه، وكان من


"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "القناعة" الرضا بالمقسوم "مال"، أي: كمالٍ بجامع أنها تغني صاحبها عن الناس، كما يغنيه مال "لا ينفد" -بفتح الفاء- أي: لا يفنى, "وكنز لا يفنى" أي: مال مدفون، فهو أخصّ من الأوّل، وإن ساواه في المعنى، وذلك؛ لأنَّ ذا المال ينفق منه متى شاء كيف شاء، والقانع متى تعذَّر عليه شيء رضي بما دونه؛ إذ القناعة تنشأ عن غنى القلب ومزيد الإيقان، ومن قنع أخذ بالبركة ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإنفاق منها لا ينقطع؛ إذ صاحبها كلما تعذَّر عليه شيء قنع بما دونه، فلا يزال غنيًّا عن الناس، ولذا كان ما يقنع به خير الرزق، كما قال -صلى الله عليه وسلم: "خير الذكر الخفيّ, وخير الرزق ما يكفي"، رواه أحمد والبيهقي وابن حبان، وقال -صلى الله عليه وسلم: " خير الرزق ما كان يومًا بيوم كفافًا"، رواه ابن عدي والديلمي، أي: ما يقنع به، ويرضى على الوجه المطلوب شرعًا، ومن قنع بالمقسوم كانت ثقته بالله التي شأنها أن لا تنقطع كنزًا له لا ينفد إمداده، وأشعر تشبيه القناعة بالمال أنها إنما تطلب في أمور الدنيا؛ ليُسْتَغْنَى بها عن الناس، ولئلَّا يشتغل بكثرتها عن الآخرة؛ لكونه مجبولًا على الشحِّ، كما أجاب به بعض الصوفية قائلًا: أما القناعة من المعرفة بالقليل فمذمومة بنص قوله: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: ١١٤] ، أي: بك وبأسرار أحكامك لا زيادة التكاليف، فإنه كان يكره السؤال في الأحكام.
"رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر" القرشي، التيمي، المدني، ليِّن الحديث، روى له الترمذي والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمانين ومائة، "عن أبيه، عن جابر" بن عبد الله.
قال الذهبي: وإسناده واهٍ، "والقضاعي بدون: وكنز لا يفنى، عن أنس" رفعه، وكذا رواه بدونها العسكري من الطريق الأولى عن جابر، "وفي القناعة أحاديث كثيرة"، منها: حديث عمرو مرفوعًا: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه"، وعن علي في قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: ٩٧] ، قال: القناعة، وكذا قال الأسود: إنها القناعة والرضا، وعن سعيد بن جبير، قال: لا يحوجنَّه إلى أحد، "ولو لم يكن" كما قال بشر بن الحارث: "في القناعة إلّا التمتع بالعزِّ"، أي: شرف النفس وقوتها بالصبر على ما أعطته، "لكفى صاحبه، وكان من دعائه -عليه الصلاة والسلام: "اللهمَّ قنِّعني بما رزقتني"، وأنشد بعضهم"، وهو ابن دريد:

<<  <  ج: ص:  >  >>