للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".


المغلوبية.
قال ابن المنير في هذا الحديث: علم من أعلام النبوة, فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أنَّ كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراد المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته, كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم، إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصلاة في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة، وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دينكم أيسره، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطُّع، كمن يترك التيمّم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي استعماله إلى حصول الضرر. انتهى، "فسدِّدوا" بمهملة، أي: الزموا بالسداد، هو الصواب من غير إفراط ولا تفريط.
قال أهل اللغة: السداد التوسُّط في العمل.
قال الطيبي: والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا بينت لكم ما في المشادَّة من الوهن، فسدّدوا "وقاربوا" بموحدة في العبادة، أي: إن لم يستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرب من الطيبي، وهو تأكيد للتسديد من حيث المعنى، "وأبشروا" بقطع الهمزة، وكسر الشين، من الإبشار، وفي لغة: بضم الشين من البشر، أي: بالثواب على العمل الدائم، وإن قلَّ، أو المراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا لم يكن من صنعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشّر به تعظيمًا له وتفخيمًا، "واستعينوا بالغدوة" بالفتح سير أوّل النهار.
وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداء إلى طلوع الشمس، كذا ضبطه الحافظ، كالكرماني والزركشي، وتوقَّف فيه المصنف بأن في النهاية الغدوة بالضمِّ ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وتبعه العيني فضبطه -بالضم, "والروحة" بالفتح- السير بعد الزوال، "وشيء"، أي: واستيعنوا بشيء "من الدلجة" -بضم أوله، وفتحه، وإسكان اللام- سير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله, ولهذا عَبَّر فيه بالتبعيض؛ ولأنَّ عمل الليل أشقّ من عمل النهار، قال الحافظ: وظاهره أنَّ الرواية بضم الدال وفتحها معًا، وذكر الكرماني، وتبعه الزركشي أنَّ الرواية بالضم والفتح لغة.
قال الحافظ: أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات النشيطة، أي: كأوّل النهار، وبعد الزوال، وبالليل, قال: فهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، فكأنَّه -صلى الله عليه وسلم- خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع،

<<  <  ج: ص:  >  >>