وإذا تحرَّى السير في هذه الأوقات النشيطة أمكنته المداومة من غير مشقَّة، وحسن هذه الاستعارة أنَّ الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أرْوَح ما يكون فيها البدن للعبادة انتهى، ونحوه للكرماني قائلًا: فنبَّه الأمة على اغتنام أوقات فرصتهم، وقال البيضاوي: الغَدْوَة والروحة والدلجة استعير بها عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لأنها سلوك وانتقال من العادة إلى العبادة، ومن الطبيعة إلى الشريعة، ومن الغيبة إلى الحضور. قال الحافظ: وهذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم وصحَّحه، وإن كان من رواية مدلس بالعنعنة، وهو عمر بن علي المقدمي -بضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة- البصري؛ لتصريحه بالسماع عند ابن حبان من طريق أحمد بن المقدام، أحد شيوخ البخاري, عن عمر بن علي المذكور قال: سمعت معن بن محمد، فذكره، وهو من إفراد معن، وهو ثقة، قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق بمعناه، ولفظه: "سددوا وقاربوا"، وزاد في آخره: "والقصد القصد، تبلغوا"، ولم يذكر شقه الأوّل، ومن شواهده حديث عروة الفقيمي -بضم الفاء، وفتح القاف- عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "إن دين الله يسر"، وحديث بريدة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشادّ هذا الدين يغلبه"، رواهما أحمد، وإسناد كلّ منهما ثقات، انتهى. "وقوله" صلى الله عليه وسلم: "الكيس"، أي: العاقل -بشد الياء مكسورة- مأخوذة من الكيس -بفتح فسكون. قال الزمخشري: حُسْن التأنِّي في الأمور، وقال ابن الأثير: الرفق في الأمور، وقال الراغب: القدرة على استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير, "من دان نفسه"، أي: أذلّها واستعبدها، وقيل: حاسبها، يعني جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربها, مجتنبة لنواهيه، فلازم الطاعة، وتجنّب المعصية. قال أبو عبيد الدين: الدَّأب، وهو أن يداوم على الطاعة, والدين الحساب، "وعمل لما بعد الموت" قبل نزوله؛ ليصير على نور من ربه، فالموت عاقبة أمور الدنيا، فالعاقل من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها، وحجبته الشهوات والغفلات، وعاجل الحاصل يشترك في درك ضره ونفعه جميع الحيوانات بالطبع، وإنما الشأن في العمل للآجل، فجدير بِمَنِ الموت مصرعه، والتراب مضجعه، ومنكر ونكير جليسه، والدود أنيسه، والقبر مقرّه، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة والنار مورده، أن لا يكون له فكر إلا في الموت وما بعده، ولا ذكر الإله، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا اهتمام إلّا به، ولا انتظار إلّا له، وحقيق أن يعد نفسه