للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومعناه: إنه بقي في طريقه عاجزًا عن مقصده، لم يقض وطره، وقد أعطب ظهره.

والوغول: الدخول، فكأنه قال: إن هذا الدين -مع كونه يسيرًا سهلًا- شديدًا، فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق وتكلّف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يملّ حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله كمثل الذي يعسف الركاب, ويحملها من السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك.

وقوله -عليه الصلاة والسلام: "من شادّ هذا الدين غلبه".


الهمزة، وإسكان العين، وفتح الطاء المهملتين، وموحدة. "ظهره"، أي: مركوبة مجازًا أو حقيقة على ما في القاموس، كما مَرَّ، والإيغال -كما في النهاية: السير الشديد، "والوغول: الدخول" في الشيء، والظاهر -كما قال بعض: إن المراد في الحديث السير لا بقيد الشدة؛ إذ لا يلائم قوله: "برفق" انتهى، ولذا عدل المصنف عن الإيغال الموافق لقول الحديث: فأوغل، إشارة إلى أنه مستعمل فيه في غير مدلوله اللغوي، بل بمعنى الدخول الذي هو من وَغَلَ بوزن وَعَدَ، إذا توارى بشجرة ونحوها، ووغل في الشيء دخل فيه مطلقًا، "فكأنَّه قال: "إن هذا الدين مع كونه يسيرًا"، أي: مع كون تكاليفه قليلة "سهلًا" لانتقاء الأصر الذي كان على من قبلنا، "شديد" خبران، أي: شديد القيام به، فلا ينبغي المبالغة في القيام بحقوقه، خارجًا عن الحد، ولا التهاون في ترك شيء منه، "فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق"، فإن "الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه"، "فإن من بالغ بغير رفق، وتكلّف من العبادة فوق طاقته، يوشك أن يملّ" -بفتح الياء والميم- يسأم "حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مَثَلُه" -بفتحتين- صفته وحاله، "كمثل الذي يعسف" -بكسر السين- من باب ضرب يأخذ بقوة "الركاب" بكسر الراء- المطي الواحد، راحلة من غير لفظها، أو المعنى يظلمها.
ففي القاموس: عسف السلطان ظلم، فقوله: "ويحملها من السير"، أي: يغريها "على ما لا تطيق"، عطف علة على معلول، والمعنى: ألجأها إلى ما لا تقدر عليه "رجاء الإسراق فينقطع ظهره" دابته، "فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك"؛ وهذه كلها عبارة شيخه السخاوي، ثم هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا لاضطرابه وضعف راويه، لكنَّه تقوى بشواهده التي منها قوله: "وقوله -عليه الصلاة والسلام: "من شادَّ هذا الدين"، أي: غالبه، فزاد فيه على طاقته، "غلبه" الدين وقهره بحيث ينقطع عن مطلوبه، "رواه العسكري"، كذا

<<  <  ج: ص:  >  >>