للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله -عليه الصلاة والسلام: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة".

ومعناه: عين ماء تجري ليلًا ونهارًا وصاحبها نائم، فجعل دوام جريانها: سهرًا لها.

وقوله: "خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة".

رواه الإمام أحمد


الماشية تكثر من أكلها، ولا تستمر بها، فضربها مثلًا للمقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها، كما نجت آكلة الخضرة، ألا تراه قال: أكلت حتى.. إلخ ذكره في النهاية.
زاد المصنف: وقيل: الربيع قد ينبت أحرار العشب والكلأ، فهي كلها خبر في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل آكل مستلذ مفرط منهمك فيها؛ بحيث تنتفخ أضلاعه منه، وتمتلئ خاصرتاه، ولا يقلع منه, فيهلكه سريعا، فهذا مثل الكافر؛ ولذا أكَّد القتل بالحبط، أي: يقتل قتلًا حبطًا، والكافر هو الذي تحبط أعماله، أو من قبل آكل، كذلك فيقربه إلى الهلاك، وهذا مثال للمؤمن الظالم لنفسه، المنهمك في المعاصي، أو من آكل مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه، ولكنه يتوخَّى إزالة ذلك، ويتحيِّل في دفع مضرته، حتى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد، وآكل غير مفرط ولا مسرف، يأكل منها ما يسد جوعه ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، لكن ليس هذا صريحًا في الحديث، لكنه ربما يفهم منه, انتهى.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "خير المال عين ساهرة لعين"، متعلِّق بساهرة، والأَوْلَى أنه صفة ثانية لعين، أي: مملوكة، أو مستحقة لعين "نائمة"، أي: تاركة للتعب في تحصيلها، فهو تشبيه بليغ، أو مجاز مرسل، باستعمال النائمة في لازمها من الراحة، وترك السعي في أسباب التحصيل، من إطلاق الملزوم، وإرادة لازمة، "ومعناه: عين ماء تجري ليلًا ونهارًا وصاحبها نائم"، فقوله: "نائمة" مجاز عقلي، أي: نائم صحبها، "فجعل دوام جريانها سهرًا لها"، فشَبَّه جريان الماء وعدم انقطاعه بسهر المشغول بأسباب مقتضية لملازمة السهر، فاستعاره لدوام جريانه، واشتقّ منه ساهرة، فهو استعارة تصريحية تبعية لجريانها في المشتق بعد جريانها في المصدر، ولم يذكر المصنف مخرج الحديث.
"وقوله" -صلى الله عليه وسلم: "خير مال المرء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة" رواه الإمام أحمد" برجالٍ ثقات، "والطبراني" في الكبير، كلاهما من طريق روح بن عبادة، عن أبي نعامة، عن مسلم بن

<<  <  ج: ص:  >  >>