أي: كل ما أنبت الجدول، وإسناد الإنبات إليه مجاز، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى، وليست "من" للتبعيض، وحبطًا -بفتح المهملة والموحدة والطاء المهملة أيضًا- وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل حتى تنتفخ فتموت، ويلم -بضم الياء- أي: يقرب من الهلاك، وهو مَثَلٌ للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها.
قال شيخنا: وليس معنى الربيع إنما هو الزمن المسمَّى فصل الربيع، وهو أحد الفصول عند العرب؛ لأن فيه الخصب والمياه والزرع، ولعله فُسِّرَ بذلك؛ لأنه السبب المترتب عليه الإنبات ظاهرًا؛ ولأن ترتبه عليه لا يختص بزمن؛ إذ يسقي به الأرض، فتحيا وتصلح للإنبات، "وإسناد الإنبات إليه مجاز" على رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني؛ إذ المسند إليه ملابس الفعل، وليس فاعلًا حقيقيًّا له، "والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى"، والسكاكي يرى أن الإسناد ليس مجازيًّا، وأن المجاز في الربيع، فجعله استعارة بالكناية, على أن المراد به الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإسناد إليه، "وليست من للتبعيض"، بل للابتداء، أو زائدة في الإثبات، على قلة لرواية البخاري في الرقاق، وإنَّ كل ما أنبت، والمعنى: إنه لا ينبغي الاغترار بشيء من زهرة الدنيا وزينتها؛ لأن جميعها مضر، ويجوز جعلها تبعيضية؛ وبه جزم الدماميني على معنى أن بعض النبات مهلك، أو مقرب منه، وبعضه ليس كذلك، وهو ما سد الرمق، وأعان على العبادة؛ لأنه سبب لإقامة هذا العالم، لكن الأوّل أبلغ في ذم الدنيا، وكأنه نزل الأمر الضروري منزلة العدم، لقلته بالنسبة لغيره، "وحبطًا -بفتح" الحاء "المهملة، و" فتح "الموحدة، و" فتح "الطاء المهملة أيضًا" منونة، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطًا، "وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، حتى تنتفخ فتموت, ويلم -بضم الياء، أي: يقرب من الهلاك"، فالمعنى يقتل أو يقارب القتل، هكذا فسَّره به شراح الحديث، ومثله في القاموس. وجوّز شيخنا أن معنى يلم: الجنون، لقول المصباح: اللمم -بفتحتين- مقارفة الذنب، وطرف من الجنون، "وهو مثل للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها" وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الماشية لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال؛ فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها، ويمنعها مستحقها، قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى، وأما قوله: "إلا آكلة الخضرة"، فإنه مَثَل للمقتصد، وذلك أنّ الخضرة ليس من جيد البقول التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره، فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد يبس البقول؛ حيث لا تحبسوها، فلا ترى