للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

.................................


والفراغ".
قال في فتح الباري: كذا لسائر الرواة، لكن عند أحمد: "الفراغ والصحة"، أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ: "الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس"، وأخرجه الدارمي عن مكي بن إبراهيم، شيخ البخاري، فيه بلفظ: "إن الصحة والفراغ نعمتان من نعم الله"، والباقي سواء انتهى فما عزاه المصنف للبخاري، إنما هو لفظ أبي نعيم في مستخرجه ونقض باقيه.
قال الحافظ: والغَبْن بالسكون والتحريك، وقال الجوهري: هو في البيع بالسكون، في الرأي بالتحريك، وعلى هذا، فيصح كل منهما في هذا الخبر، فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي، فقد غبن لكونه باعهما ببخس، ولم يجد رأيه في ذلك.
قال ابن بطال: معنى الحديث: إن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومِنْ شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرَّط في ذلك فهو المغبون، وأشار بقوله: "كثير من الناس" إلى أن الذي يوفق لذلك قليل.
وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكو غنيًّا، ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعتا، فغلب عليه الكسل من الطاعة، فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة للآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله، فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله، فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلّا الهرم، كما قيل:
يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة تفعل
ترد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال الطيبي: ضرب -صلى الله عليه وسلم- للمكلف مثلًا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه أن يتحرَّى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلَّا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، فينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس، وعدو الدين ليربح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: ١٠] الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس، ومعاملة الشيطان؛ لئلَّا يضيّع رأس ماله مع الربح، وقوله: "مغبون فيهما كثير من الناس"، كقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: ١٣] ، فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد، فقيل: الإيمان، قيل:

<<  <  ج: ص:  >  >>