للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه، استنشدني النبي -صلى الله عليه وسلم- من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته مائة قافية.

وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان" رواه البخاري.


الشعر لزمه بحكم العادة الأدبية الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث.
وقول بعضهم: عني به الشعر الذي هجي به أو غيره، ردَّه ابن بطال بأن هجوه كفر, كثر أو قلّ، وهجو غيره حرام وإن قلَّ، فلا يكون لتخصيص الذمّ بالكثير معنى، "ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد"، وكذا مسلم في الصحيح، فالعزو له أَوْلَى، ولا يصح الاعتذار عن المصنّف، بتجويز أنه في مسلم عن الشريد بغير تعيين الواسطة، وفي الأدب بتعيين أنه عن أبيه، فإن هذا من تجويز العقل المخالف للنقل، المؤدي لضعف الإسناد، فينافي كونه في الصحيح، فإن مسلمًا والبخاري في الأدب روياه معًا "عن عمرو بن الشريد" بفتح المعجمة- الثقفي أبي الوليد الطائفي، التابعي، الثقة، "عن أبيه" الشريد بوزن الطويل، الثقفي، الصحابي, شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا، "استنشدني النبي -صلى الله عليه وسلم- من شع أمية بن أبي الصلت"، الذي قال فيه المصطفى: "آمن شعره وكفر قلبه"، واسم أبي الصلت: عبد الله, كان يتعبَّد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم، "فأنشدته مائة قافية"، أي: بيت لما في مسلم أيضًا من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه, ردفت النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقال: "هل معك من شعر أمية"؟ قلت: نعم، قال: "هيه" فأنشدته بيتًا فقال: "هيه"، ثم أنشدته بيتًا، فقال: "هيه"، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: "إن كاد ليسلم".
قال القرطبي: فيه دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها، إذا تضمَّنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا، وقد أنشد كعب بن زهير للنبي -صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد، وأتى فيها من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، وتشبيه ريقها بالراح، ولم ينكر عليه.
"وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان"، قال العسكري: الصحة عند بعضهم الشباب، والعرب تجعل مكان الصحّة الشباب، كما قالوا بالقلب الفارغ، والشباب المقبل تكسب الآثام، إن يكن الشغل محمده، فالفراغ مفسدة، ولا تفرغ قلبك من فكر، ولا ولدك من تأديب، ولا عبدك عن مصلحة، فإن القلب الفارغ يحث على السوء، واليد الفارغة تنازع إلى الآثام، وقال ابن دريد: أفضل النعم العافية والكفاية؛ لأن الإنسان لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا، والعافية هي الصحة، ومن عوفي وكفي فقد عظمت عليه النعمة، "رواه البخاري" تسمح في غزوه بهذا اللفظ له، فلفظه في كتاب الرقائق عن ابن عباس، قال -صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة

<<  <  ج: ص:  >  >>