قال الطبري: وفي هذا رَدٌّ على من كره الشعر مطلقًا، واحتجَّ بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان. وعن أبي أمامة -رفعه- أنَّ إبليس لما هبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر.
ثم أجاب عن ذلك: بأنها أحاديث واهية, وهو كذلك. فحديث أبي أمامة فيه: علي بن زيد الألهاني، وهو ضعيف. وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراد فيه والإكثار منه.
صادقًا، مطابقًا للحق"، موافقًا للواقع، والمراد جنس حكمة، فلا ينافي رواية حكمًا على أنه جمع، وأولى على أنه مصدر. "قال الطبري" الإمام ابن جرير: "وفي هذا رَدٌّ على من كره الشعر مطلقًا"، سواء كان ثناء على الله ورسوله، وذبًّا عنهما، أم لا؟ سواء كان في المسجد، أم لا؟ وثالثها، وهو الأَوْلَى التفصيل، فما اقتضى الثناء على الله ورسوله، أو الذَّبِّ عنهما، كشعر حسان، أو تضمَّن الحث على الخير، فحسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأن الشعر لا يخلو غالبًا عن الكذب والفواحش، والتزين بالباطل، ولو سلم, فأقل ما فيه اللغو والهذر, والمساجد منزهة عن ذلك، والحجَّة لهذا قوله -صلى الله عليه وسلم: "الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام". رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى والطبراني بإسناد حسن، كما قال النووي: وقصر ابن بطال في جعله من كلام الشافعي، وقد عاب القرطبي المفسّر ذلك على جماعة من الشافعة، وثَمَّ أدلة سواء، "واحتجَّ" المانع مطلقًا "بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان، و" بما جاء "عن أبي أمامة" صدي بن عجلان "رفعه, أنّ إبليس لما هبط إلى الأرض، قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر، ثم أجاب" الطبري "عن ذلك بأنها أحاديث واهية"، ضعيفة جدًّا، فلا حجَّة فيها، "وهو كذلك" في جميعها، وبَيِّنَ سبب ضعف بعضها بقوله: "فحديث أبي أمامة فيه عليّ بن زيد الألهاني" بزنة الأنصاري، نسبة إلى ألهان بن مالك أخي همدان، "وهو ضعيف، وعلى تقدير قوتها"، أي: الأحاديث الواردة في ذمِّ الشعر، "فهو محمول على الإفراد فيه، والإكثار منه"، لما يئول إليه أمره من تشاغله به عن العبادة، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا"، رواه أحمد والستة، فالمراد به ما تضمَّن تشبيبًا، أو هجاء، أو مفاخرة، كما هو الغالب في أشعار الجاهلين، أو هو مخصوص بما لم يشتمل على الذكر، والزهد، والمواعظ والرقائق، مما لا إفراط فيه، وقال النووي: هو محمول على التجرُّد للشعر؛ بحيث يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذكر، وقال القرطبي: من غلب عليه