أما قوله:"إن من البيان سحرًا" , فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق, فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق، وأما قوله:"إن من العلم جهلًا"، فتكلُّف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله، وأمَّا قوله:"إن من الشعر حِكَمًا"، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها الناس. ومفهومه: إن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن من تبعيضية, وفي البخاري:
كذلك؟ قال: "أما قوله: "إن من البيان سحرًا"، فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج"، أي: أقوى إقامة البراهين "من صاحب الحق"، إما لجودة كلامه واقتداره على تأليفه، وإما لشدة فطنته وفهمه، بحيث يتمكَّن من إقامة مدعاه، "فيسحر القوم ببيانه"، أي: يخدعهم حتى يأخذ بعقولهم بسبب ما ألفاه عليهم من الكلام المشتمل على ما يخيّل لسامعه أنه الحق لدقته، "فيذهب بالحق"، فيحل به الوعيد. فقد روى مالك، وأحمد، والستة عن أم سلمة عنه -صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها، أو ليتركها"، "وأما قوله: "إن من العلم جهلًا"، فتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله"، أي: معه: فهو صلة تكلف، أي: إن العالم إذا سُِلَ عن شيء لا يعلمه، فتحمَّل الشقة في تحصيل الجواب عنه بلا استناد إلى حجة تهديه، ولا بناء على القواعد كان عين الجهل في الواقع، وإن كان علمًا عند الناس لحصول الجواب به صورة، وهذا جعله ابن الأثير أحد قولين في معناه، ثانيهما: أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالنجوم وعلوم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة، وتقدم ثالث هو حمله على العلم المذموم، "وأما قوله: "إن من الشعر حكمًا" فهي"، أي: الحِكَم، "هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها الناس"، ومقتضى هذا قراءته -بكسر، ففتح- ومَرَّ أن ابن رسلان ضبطه بضم، فسكون محتجًّا بتفسير النهاية، وهو أيضًا صريح قول العسكري، والمعنى: إن من الشعر ما يحثُّ على الحسن، ويمنع من القبيح؛ لأن أصل الحكم في اللغة المنع، ومنه حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها أن تنصرف كيف شاءت، قال: وفي بعض كتب المتقدمين أحكموا سفهاءكم، أي: امنعوهم عن القبيح، انتهى. وفي المصباح: حكمة وزان قصبة، وبقيته في أبي داود، وأما قوله: "إن من القول عيالًا، فعرضك كلامك على من ليس من شأنه ولا يريده"، ومفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن من تبعيضية"، فقوله من الشعر، أي: بعضه، وكذا في باقيها كما مَرَّ، "وفي البخاري" من حديث أُبَيّ بن كعب، وكذا الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن من الشعر حكمة"، أي: قولًا