للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله -صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على الحاجات بالكتمان, فإن كل ذي نعمة محسود".

رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،


الحياة، وقيل: الصحة. والأَوَّل أَوْلَى؛ فإنه نعمة مطلقة، وأمَّا الحياة والصحة، فإنهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقية إلّا إذا صاحبها الإيمان، وحينئذ يغبن فيهما كثير من الناس، أي: يذهب ربحهم، أو ينقص، فمن استرسل مع نفسه الأمَّارة بالسوء، الخالدة إلى الراحة، فترك المحافظة على الحدود، والمواظبة على الطاعة، فقد غبن، وكذلك إذا كان فارغًا، فإنَّ المشغول قد يكون له معذرة، بخلاف الفارغ، فإنه يرتفع عند المعذرة، وتقوم عليه الحجة، انتهى.
"وقوله" صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على" قضاء "الحاجات بالكتمان". بالكسر، أي: إخفائها عن الغير، مستعينين بالله على الظفر بها، فالكتمان وإن كان سببًا عاديًا لقضائها، لكنَّه في الحقيقة لله، وعلل ذلك بقوله: "فإن كل ذي نعمة محسود"، فإن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم، فعارضوكم في أمركم.
قال السخاوي وغيره: والأحاديث الواردة في التحدّث بالنعم محمولة على ما بعد وقوها، فلا تعارض هذا، نعم إن ترتَّب على التحدث بها حسد، فالكتمان أَوْلَى. انتهى.
قال الراغب: وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، ويوصف به ضعفة الرجال والنساء والصبيان، وسبب صعوبة كتمان السر أن للإنسان قوتين: آخذة ومعطية، وكلتاهما متسوفة إلى الفعل المختص به، ولولا أنَّ الله وكَّل المعطية بإظهار ما عندها، لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها، فعلى الإنسان أن يمسكها، ولا يطلقها إلا حيث يجب إطلاقها، "رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه"، لكن بلفظ: "استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان"، والباقي سواء، كما عزاه السخاوي للمعاجيم الثلاثة، ومثله للسيوطي، وفي شرحه: إن لفظ الطبراني "استعينوا على قضاء حوائجكم"، فلعل في الطبراني روايات، وكذا أخرج الحديث البيهقي في الشعب، وأبو نعيم، وابن أبي الدنيا، والعسكري، والقضاعي، وابن عدي, كلهم عن معاذ، وفيه عند الجميع سعيد بن سلام العطار، كذَّبه أحمد وغيره، وقال فيه العجلي: لا بأس به، ولكن أخرجه العسكري أيضًا من غير طريقه، بسند ضعيف مع انقطاعه بلفظ: "استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإن لكل نعمة حسدة، ولو أنَّ أمرأ كان أقوم من قدح، لكان له من الناس غامزًا"، ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس، مرفوعًا: "إن لأهل النعم حسادًا فاحذروهم" في الباب عن جماعة منهم: عمر عند الخرائطي، وابن عباس عند الخطيب، فلا يسوغ دعوى وضعه، كما صنع ابن الجوزي، وقد جزم الحافظ العراقي، بأنه ضعيف فقط، ومنهم: علي، كما أفاده بقوله، "وأخرجه الخلعي". بكسر

<<  <  ج: ص:  >  >>