للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن من العلم جهلًا، وإن من الشعر حكمًا،


قال ابن العربي وغيره: حمله على الأول صحيح، لكن لا يمنع حمله على المعنى الثاني، إذا كان في تزيين الحق، وقال ابن بطال: أكثر ما يقال هذا الحديث، ليس ذمًّا للبيان كله، ولا مدحا لقوله من البيان، فأتى بمن التي للتبعيض، قال: وكيف يذمّه وقد امتنَّ الله به؟ فقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ, عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} .
قال الحافظ: والذي يظهر أنَّ المراد به في الآية، ما يقع به الإبانة عن المراد بأيّ وجه كان لا خصوص ما نحن فيه، وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز بالمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، هذا كله من البيان بالمعنى الثاني.
نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، وهذه الجملة رواها مالك في الموطأ، وأحمد والبخاري، والترمذي، وأبو داود أيضًا من حديث ابن عمر، قال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرًا"، قال الحافظ: لم أقف على تسمية الرجلين صريحًا، وزعم جماعة أنهما لزبرقان -بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة ثم قاف, وعمرو بن اأهتم، لما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس، قال: جلس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، أي: حين قدما في وفد تميم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله, أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم، والمجاب لديهم، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم حقوقهم، وهذا، أي: عمرو يعلم ذلك، فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه، فقال الزبرقان: والله لقد علم مني أكثر مما قال، ما منعه إلّا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك، والله إنك لئيم الخال، حديث المثال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الأخرى، لكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعًا، فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرًا"، وأخرجه الطبراني عن أبي بكرة.
كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم، فقدم علينا وفد تميم، فذكر نحوه، وهذا لا يلزم منه أن يكونا هما المراد بحديث ابن عمر، فإن المتكلم إنما هو عمرو وحده، وكان كلامه في مراجعة الزبرقان، فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلّا على طريق التجوّز، "وإن من العلم جهلًا"، لكونه علمًا مذمومًا، فالجهل به خير من علمه، كعلوم الفلسفة، وعلم أيام الجاهلية ووقائعهم, ونحو ذلك، أو المراد أن يتعلّم ما لا يحتمل عليه، كالنجوم، وعلوم الأوائل، فيشتغل به عن تعلم ما يحتاجه في دينه من علم القرآن والسنة، فيصير علمه بما لا يعنيه جهلًا بما يعنيه، "وإن من الشعر حكمًا" بكسر الحاء وفتح الكاف- جمع حكمة، أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحق، موافقًا للواقع، كذا ضبطه

<<  <  ج: ص:  >  >>