والبخل قد جعله -صلى الله عليه وسلم- داء، وليس بداء مؤلم لصاحبه، وإنما شبهه بالداء إذ كان مفسدًا للرجل مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض المشي يئول إلى طول الضنا وشدة العنا، والمقصد من هذا النهي عن البخل أعاذنا الله منه.
الحاكم في المستدرك، وأبو الشيخ بإسناد غريب عن أبي هريرة، وفي رواية ابن جرير عن أبي هريرة: "بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور"، وكذا في بعض طرقه عن جابر عن أبي نعيم. وروى ابن منده وأبو الشيخ في الأمثال، والولي بن إبان في كتاب الجود عن كعب بن مالك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من سيدكم"؟ قال: جد بن بشير، فقال: "سيدكم بشر بن البراء بن معرور"، وسنده جيد. قال الحافظ: ويمكن حمل قصة بشر على أنها كانت بعد قتل عمرو بأحد جمعًا بين الحديثين، وروى الحديث الأول ابن عائشة في نوادره عن الشعبي مرسلًا، وزاد: فقال في ذلك بعض الأنصار: وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تسمون سيدا فقالوا له جد بن قيس على التي ... نبخله منها وإن كان أسودا فسوَّدَ عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا فلو كنت يا جد بن قيس على التي ... على مثله عمرو لكنت المسوَّدا "والبخل" بضم الباء، وسكون الخاء، وبفتح الباء والخاء، كذا ضبطه الزركشي، "قد جعله -صلى الله عليه وسلم- داء": مرضًا مؤلمًا لصاحبه في العقبى، "وليس بداء" حسي، "مؤلم لصاحبه" حقيقة، كالأمراض الحسية، فهو تشبيه، "وإنما شبهه بالداء إذ" تعليلية، "كان مفسدًا للرجل" أكثري، فالمراد الإنسان، "مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض الحسي، يئول إلى طول الضنا" شدة المرض، "وشدة العنا" التعب، "والمقصد" مصدر ميمي بمعنى القصد، "من هذا النهي عن البخل، أعاذنا الله منه"، ولذا عد من جوامع الكلم، وكما نطق بهذا اللفظ النبي -صلى الله عليه وسلم، في ذا الحديث الصحيح، قاله خليفته أبو بكر بعده لما أتاه بعده مال البحرين، ونادى: من كان له عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة، أو دين فليأتني، فجاءه جابر، فأخبره أن المصطفى قال له: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا، ثلاثًا، فلم يعطه, ثم أتاه ثانيًا وثالثًا، فلم يعطه، فقال له: إما أن تعطيني، وإمّا أن تبخل عني، فقال: "أقلت تبخل عني، وأي أداء أدوى من البخل"؟ قالها ثلاثا، ما منعتك من مرة إلّا وأنا أريد أن أعطيك، رواه البخاري ومسلم، وفي بعض طرقه عند البخاري.