وقوله:"ليس الخبر كالمعاينة". رواه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري.
كالمعاينة"، وفي رواية: كالعيان -بكسر العين, ومعناهما واحد، أي: المشاهدة؛ لأنها تحصل العلم القطعي، وقد جعل الله لعباده آذانًا واعية، وأبصارًا ناظرة، ولم يجعل الخبر في القوة كالنظر بالعيان، وكما جعل في الرأس سمعًا وبصرًا جعل في القلب ذلك، فما رآه الإنسان ببصره قويّ علمه به، وما أدركه يبصر قلبه كان أقوى عنده. وقال الكلاباذي: الخبر خبر إن صادق، لا يجوز عليه الخطأ وهو خبر الله ورسوله، ومحتمله، وهو ما عداه، فإن حمل الخبر على الأوّل، فمعناه ليس المعاينة كالخبر في القوة، بل الخبر أقوى وأبعد عن الشكوك، إذا كان خبر الصادق والمعاينة قد تخطئ، فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف ما هو عليه، كما في قصة موسى والسحرة، وإن حمل على الثاني، فمعناه أنها أقوى؛ لأن المخبَر لا يطمئن قلبه، وتزول عنه الشكوك في خبر من يجوز عليه السهو والغلط، وحاصله: إن الخبر إذا كان خبر الصادق، فهو أقوى من المعاينة، أو غيره فعكسه. انتهى، وهذا الفهم يشكل عليه بقية الحديث الآتية، "رواه أحمد" بن حنبل الإمام، "و" أحمد "ابن منيع" بفتح الميم، وكسر النون، وإسكان التحتية ومهملة- ابن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد، ثقة حافظ, مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وله أربع وثمانون سنة. روى عنه مسلم والأربعة وغيرهم، "والطبراني والعسكري" من حديث ابن عباس بزيادة: إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمَّا عاين ما صنعوا، ألقى الألواح فانكسرت، ورواه أحمد، وابن طاهر، والبغوي، والدارقطني، والطبراني في الأوسط، وابن حبان والعسكري أيضًا، عن ابن عباس مختصرًا بدون الزيادة، وصحَّح الحديث ابن حبان والحاكم والضياء. قال العسكري: أراد -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يهجم على قلب المخبر من الهلع، بالأمر والاستفظاع له, مثل ما يهجم على قلب المعاين، قال: وظنَّ بعض الملحدين في حديث موسى، أنه لم يصدق بما أخبره ربه، ولا دلالة فيه على ذلك، ولكن للعيان روعة هي أنكأ للقلب، وأبعث لهلعه من المسموع، قال: ومن هذا قول إبراهيم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، أي: بيقين النظر؛ لأن للمشاهدة والمعاينة حالًا ليست لغيره، وقال غيره: كان خبر الله ثابتًا عند موسى, وخبره كلامه، وكلامه صفته، فعرف فتنة قومه بصفة الله، لكن صفة البشرية لا تظهر عند صفة الله، لعجز البشرية وضعفها، فتمسك موسى بما في يديه ولم يلقه، فلمَّا عاين قومه عاكفين على العجل عابدين له، عاتبهم بصفة نفسه التي هي نظره ببصره ورؤيته بعينه، فلم يتمالك أن طرح الألواح من شدة