للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بلفظ: "ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" يعني: إنه إذا ملكها كان قد قهر أكبر أعدائه وشر خصومه. ولذلك قال: أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك. وهذا من باب المجاز، ومن فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدة من الغضب وقهرها بحلمه، وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصر.


الذي يصرع الناس كثيرًا بقوته، والهاء للمبالغة في الصفة، والصرعة -بسكون الراء- بالعكس، وهو من يصرعه غيره كثيرًا، وكل ما جاء بهذا الوزن -بالضم والسكون- فهو كذلك, كهمزة ولمزة وحفظة وخدعة، ووقع بيان ذلك في حديث ابن مسعود عند مسلم أوله: "ما تعدون الصرعة فيكم"، قالوا: الذي لا تصرعه الرجال.
قال ابن التين: ضبطناه -بفتح الراء، وقرأة بعضهم بسكونها وليس بشيء؛ لأنه عكس المطلوب، قال: وضبط أيضًا في بعض الكتب بفتح الصاد، وليس بشيء، ذكره الحافظ والنفي للمبالغة، أي: ليس القوي من يقدر على صرع أبطال الرجال وإلقائهم إلى الأرض بقوة، "إنما الشديد" على الحقيقة "الذي يملك نفسه عند الغضب"، أي: إنما القوي من كظم غيظه عند فوران الغضب وقهر نفسه وغلب عليها، فحوّل المعنى فيه من القوة الظاهرة إلى القوة الباطنة، "يعني: إنه إذا ملكها كان" هو الشديد، لأنه "قد قهر أكبر أعدائه"؛ إذ من عداها أذاه دونها؛ لأنها موجبة لعقوبة الله، وأقلها أشد من عقوبات الدنيا "و" قهر "شر" بالنصب، "خصومه"، جمع خصم على لغة المطابقة في التثنية والجمع، والمشهور وقوع خصم على الذكر والأنثى والمفرد، والجمع, فآثر الجمع وإن كان لغة قليلة؛ لأنه أبلغ في إفادة المراد "ولذلك" المذكور من الأمرين. "قال" عليه الصلاة والسلام، فيما ذكره في النهاية بلا إسناد: "أعدى عدو لك"، أي: أشد عداوة لك من بين أعدائك، "نفسك التي بين جنبيك"، والعدو خلاف الصديق الموالي، وليس المراد البغض لاستحالته, بل فعلها معه فعل العدو، ولحملها له على اكتساب المال من غير حله، وانفاقه في اللذات والشهوات، وصدّها عن العلم والجهاد، وميلها للكسل وما يفوت الكمالات، {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} "وهذا من باب المجاز ومن فصيح الكلام"، أي: بليغه إلى الغاية؛ بحيث اشتمل على أعلى البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فليس المراد الفصاحة الاصطلاحية التي هي خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد مع فصاحتها؛ "لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شدة من الغضب، وقهرها بحلمه، وصرعها بثباته" وعدم عمله بمقتضى الغضب، "كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه"، فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة أو استعارة، "وقوله" صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر

<<  <  ج: ص:  >  >>