كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية، أو لأن إنما للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو بالعرف، أو تفيده بالحقيقة، أو بالمجاز، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًّا، بل نقله شيخ الإسلام البليقيني، عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية، واستدلَّ على إفادة إنما للحصر بأنَّ ابن عباس، استدلَّ على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: "إنما في الربا النسيئة"، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على إفادتها الحصر، وتعقّب باحتمال أنهم تركوا المعارضة تنزلًا، وأوضح من ذلك الحديث: "إنما الماء من الماء"، فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه، لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى، كحديث: "إذا التقى الختانان". وقال ابن عطية: إنما لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد؛ حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، إن دخل في قضية ساعدت عليه، فجعل ورودها للحصر مجازًا يحتاج إلى قرينة، وعكسه غيره، فقال: أصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: ١٧١] فكأنه سيق باعتباره منكري الوحدانية، وإلّا فلله سبحانه صفات أخرى، كالعلم والقدرة، وكقوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: ٧] [النازعات: ٤٥] ، فإنه سبق باعتبار منكري الرسالة، وإلّا فله -صلى الله عليه وسلم- صفات أخرى كالبشارة، والأعمال تقتضي عاملين، فالتقدير الصادرة من المكلفين. قال الحافظ: فالظاهر إخراج أعمال الكفار؛ لأنَّ المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبًا بها، معاقبًا على تركها، ولا يرد العتق والصدق؛ لأنها بدليل آخر. انتهى، وعَبَّر بالأعمال دون الأفعال؛ لأن الفعل قد يكون زمانه يسيرًا، ولا يتكرر. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: ١] ، وتبين لكم كيف فعلنا بهم؛ حيث كان إهلاكهم في زمان يسير، ولم يتكرر بخلاف العمل، فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد، بالاستمرار والتكرار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، طلب منهم العمل الدائم المتجدد لأنفس الفعل، قال تعالى: {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} ، ولم يقل: الفاعلون, والنيات جمع نية. قال البيضاوي: وهي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالًا أو مالًا، والشرح خصَّه بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل، لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، وهي محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيل