للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رواه الشيخان وغيرهما.

وقوله: ليس للعامل من عمله إلا ما نواه.

وتحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم.


لما أجمل، والحديث متروك الظاهر؛ لأن الذوات غير منفية؛ إذ التقدير لا عمل إلا بنية، فليس المراد نفي ذات العمل؛ لأنه قد يوجد بلا نية، بل المراد نفي أحكامها، كالصحة والكمال، لكن الحمل على نفي الصحة أَوْلى؛ لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه؛ ولأن اللفظ دلَّ على نفي الذات بالتصريح، وعلى نفي الصفات بالتبع، فلمَّا منع الدليل نفيَ الذات، بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة. انتهى، والباء سببية بمعنى: إنها مقوية للعمل, فكأنها سبب في إيجاده، أو للمصاحبة، فهي من نفس العمل، فيشترط أن لا تتخلف عن أوله، ولابُدَّ من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فلذا احتيج للتقدير.
وقال ابن القيم: هذا كلام مستقلّ بنفسه، لا يحتاج لإضمار صحة، ولا إجزاء، ولا قبول، إنما دلَّ على أن وقوع الأعمال بالنيات، وأن النية هي الباعثة على العمل، المثيرة له، وهي أصله وهو فرعها، ولما تكلف الناس بعض هذه التقديرات المستغنى عنها، وقعوا في الإشكال والاضِّطراب، فبعضهم قدر متعلق الظرف الصحة، وبعضهم الكمال، وعليه فالأوَّل هو اللائق؛ لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة، فلا يصح عمل كتيمم, خلافًا للأوزاعي، وكوضوء عند الأئمة الثلاثة، إلّا بنية, خلافًا للحنفية، ولا نسلم أن الماء يطهر بطبعه، والخلاف في الوسائل.
أما المقاصد، فلا خلاف في اشتراط النية، وإنما لم تشترط في إزالة الخبث؛ لأنها من قبيل التروك، وشرعت تمييزًا للعبادة عن العادة، أو لتمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، "رواه الشيخان" البخاري في سبعة مواضع، ومسلم "وغيرهما" كالإمام أحمد، وأصحاب السنن، كلهم من حديث عمر، ولم يخرجه في الموطأ، رواية الأكثرين، وخرجه في رواية محمد بن الحسن عنه.
قال السيوطي: وبه يتبيّن صحة قول من عزا روايته للموطأ، وهم من خطأه في ذلك. انتهى، وفيه تعريض، يقول الحافظ: هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون، إلا الموطأ، وهم من زعم أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك. انتهى، وهذا من كثر، "وقوله: ليس للعامل من عمله إلّا ما نواه، وتحت هاتين الكلمتين كنوز" أبواب كثيرة "من العلم"، عبَّر عنها بالكنوز للمشابهة.
قال ابن مهدي: يدخل في ثلاثين بابًا من العلم، وقال الشافعي: يدخل في سبعين، ويحتمل أن مراده المبالغة، "ولهذا قال" الإمام "الشافعي -رحمه الله تعالى" في إحدى الروايتين،

<<  <  ج: ص:  >  >>