للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كقوله -صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب".

وقوله: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين".


يا رسول الله, الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، "قال: "المرء مع من أحب" في الجنة، بحسن نيته من غير زيادة عمل"؛ لأنّ محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من أفعال القلوب، فأنيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النية، والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعية استواء الدرجات، بل ترفع الحجب حتى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلٌّ في درجته، قاله المصنف.
وقال السخاوي: قال بعض العلماء: ومعنى الحديث: إنه إذا أحبَّهم عمل بمثل أعمالهم، قال الحسن البصري: من أحبَّ قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم، فتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي على مناهجهم، حرصًا أن تكون منهم، أسنده العسكري، ولذا قيل:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وسأل رجل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقًا في حب مولاه؟ قال: إذا خلا من خلافه كان صادقًا في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه، وصاح: كيف أدَّعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه، فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصر في حقه، أورده البيهقي قائلًا: يشهد لقوله صادق إلخ، هذا الحديث انتهى وهذا الحديث متواتر.
قال في الفتح: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب المحبين مع المحبوبين، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم: "المرء مع من أحب"، وفي بعضها بلفظ حديث أنس: "أنت مع من أحببت" انتهى.
قال ابن العربي: يريد في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالطاعة والأدب الشرعي، وفي الآخرة بالمعاينة والقرب الشهودي، فمن لم يتحقق بهذا, وادعى المحبة، فدعواه كاذبة.
ولفظ حديث أنس: إنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "ما أعددت لها"، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت"، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: "نعم"، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا. "وقوله" -صلى الله عليه وسلم- في كتابه لهرقل والمقوقس: "أسلم" -بكسر اللام, "تسلم" -بفتحها, "يؤتك الله أجرك مرتين"، لإيمانه بنبيه، ثم بالمصطفى.

<<  <  ج: ص:  >  >>