وقليل هذا الوصف في حقه -صلى الله عليه وسلم- وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه وصحَّحه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد -صلى الله عليه وسلم. وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين، وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل.
"وقليل هذا الوصف في حقه -صلى الله عليه وسلم، وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه" على الصحيحين، "وصحَّحه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد -صلى الله عليه وسلم"، وهذا حكمه الرفع؛ إذ هو لا يقال رأيًا، وفيه من تشريف المصطفى ما لا يخفى، "وبالجملة: فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد" لقوة ظهورها، "ولا ينكرها مواقف، ولا معاند"، يشبه عطف العلة على المعلول، "وقد جمع الناس" العلماء الكبار؛ كابن السني، والقضاعي، وابن الصلاح في آخرين "من كلامه الفرد"، الذي لا نظير له، وفي نسخة المفرد، أي: المتميز عن غيره لا مقابل المركب، والمثنى والنسخة الأولى أحسن. "الموجز" -بفتح الجيم- أي: القليل الألفاظ الكثير المعاني، وبكسر الجيم من أوجز، فإسناده للكلام مجاز، كعيشة راضية، أي: موجز صاحبه؛ إذ الكلام لا يوصف بأنه موجز، اسم فاعل، أو حقيقي من أوجز اللازم، ففي القاموس: أوجز الكلام قلَّ، وأوجز كلامه اختصره, "البديع" الذي لا مثال له، فقوله "الذي لم يسبق إليه" صفة كاشفة، أي: إلى جملته, فلا ينافي أن منه ما سبق إليه، أو لم يسبق إلى شيء منه بالترتيب الخاص الذي اشتمل عليه، ولذا قال في الشفاء: وأما كلامه المعتاد، وصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ألف الناس فيها "دواوين"، أي: كتبًا مستقلّة، جمع ديوان -بكسر الدال والفتح لغة، وقال أبو عمر: إنه خطأ؛ لأنه كان يجمع على دياوين ولم يسمع، قاله الجواليقي. قال عياض: وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يواري فصاحة، ولا يباري بلاغة، وذكر عدة أحاديث، ثم قال: وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالب عليها، كقوله: حمي الوطيس، ومات حتف أنفه، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، والسعيد من وعظ بغيره، في إخواتها ما يدرك الناظر العجب في مضمنها، وتذهب به الفكر في أدنى حكمها. "وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل" -بعين مهملة- المريض، "كقوله -صلى الله عليه وسلم", فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس، وأبي موسى، وابن مسعود، قيل: