وأمَّا ما يروى: أنا أفصح مَنْ نطق بالضاد. فقال ابن كثير: لا أصل له. انتهى, لكن معناه صحيح والله أعلم.
وقد حَدُّوا الفصاحة بخلوص الكلام من التنافر والغرابة ومخالفة القياس.
والمراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا
فإن السين والشين والتاء والزاي كلها متقاربة المخارج.
الحقيقة، "وأمَّا ما يروى: أنا أفصح من نطق بالضاد"، أي: المعجمة، "فقال ابن كثير: لا أصل له، انتهى، لكن معناه" وهو: أنا أفصح العرب؛ لأنهم هم الذين ينطقون بالضاد، وليست في لغة غيرهم "صحيح"؛ إذ لا شك في أنه أفصح العرب، وإن لم يعلم لهذا اللفظ سند، كما قاله ابن كثير أيضًا، وتقدم "والله أعلم"، بما في نفس الأمر، وقد زاد بعضهم: بيد أني من قريش، أي: من أجل أني منهم، "وقد حدوا"، أي: علماء البيان، "الفصاحة" التي هي في الأصل تنبئ عن الظهور والإبانة، "بخلوص الكلام من التنافر"، وهي صفة توجب ثقله على اللسان، وعسر النطق به "والغرابة، ومخالفة القياس" اللغوي، أي: المستنبط من استقراء اللغة، "والمراد بالتنافر تقارب مخارج الحروف، كقوله"، أي: امرئ القيس: وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيت كقنو النخلة المتعثكل غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل غدائره، أي: ذوائبه، جمع غديرة، وضميره للفرع في البيت قبله، ومستشزرات مرتفعات, إن قرئ بكسر الزاي، أو مرفوعات إن قرئ بفتحها، وتضل تغيب العقاص، جمع عقيصة، وهي الخصلة المجموعة من الشعر، والمثنى المفتول، يعني أن ذوائبه مفتولة على الرأس بخيوط، وإن شعره ينقسم إلى عقاص، ومثنى، ومرسل، والأول يغيب في الأخيرين، والغرض بيان كثرة شعره، "فإن السين، والشين، والتاء، والزاي، كلها متقاربة المخارج"، وذلك سبب للثقل المخل بالفصاحة، وقد رد هذا السعد، وارتضى أن الضابط هنا أن كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلًا متعسرًا لنطق فهو متنافر، سواء كان من قرب المخارج، أو بعدها، أو غير ذلك، على ما صرَّح به ابن الأثير في المثل السائر، "والغرابة كون الكلمة"، وخشية غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة