ويمتثل شرعًا وحكمًا، لا يتفوه بَشَرٌ بكلام أحكم منه في مقالته، ولا أجزل منه في عذوبته.
وخليق بمن عبَّر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده ببيانه، وبَيِّنَ مواضع فروضه وأوامره ونواهيه وزواجره, ووعده ووعيده وإرشاده, أن يكون أحكم الخلق جنانًا وأفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا.
وقد كان -عليه الصلاة والسلام- إذا تكلم تكلم بكلام مفصَّل مبيّن، يعده العادّ، ليس بهذر مسرع لا يحفظ،
"شرعًا" أي: مشروعًا، "وحكمًا" أمورًا محققة متقنة. وفي البيضاوي: الحكمة تحقيق العلم، وإتقان العمل، "لا يتفوّه" ينطق "بَشَر بكلام أحكم منه في مقالته"، بل لا يقدر على مساواة مقالته، "ولا أجزل" -بجيم وزاي- أحسن وأسلس "منه في عذوبته"، قبول النفوس له، كالحلو، "وخليق" جدير وحقيق "بمن عَبَّر عن مراد الله بلسانه، وأقام" الله "به الحجة"، البرهان والدليل الواضح "على عباده ببيانه، وبَيِّنَ مواضع فروضه، وأوامره، ونواهيه، وزواجره، ووعده" بالخير لمن أطاع، "ووعيده" بالشر لمن عصى، "وإرشاده أن يكون أحكم الخلق جنانًا" -بفتح الجيم- قلبًا, فاعل سد مسد الخبر؛ لقوله: وخليق, بناء على قول الأخفش، الذي لا يشترط اعتماد الوصف في أعماله، أو هو مبتدأ، وخليق في خبره، وقد جوَّزوا الوجهين في قوله: خبير بنو لهب فلا تك ملغيًا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت فخبير مبتدأ، وبنو فاعله، أو مبتدأ خبره خبير، ولا يجوز أن خليق مبتدأ، والخبر أن يكون؛ لأن المنسبك من أن والفعل بمنزلة المضاف للضمير، فيكون أعرف، والخبر لا يكون أرف، ومن ثَمَّ قال ابن هشام: اتفقوا على نصف حجتهم في قوله تعالى: {مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ} [الجاثية: ٢٥] ، إلّا أن قالوا، وهو متعين، "و" أن يكون "أفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا" لأجل ذلك الذي أريد منه، "وقد كان -عليه الصلاة والسلام- إذا تكلّم"، أي: إذا أراد أن يتكلم، "تكلّم بكلام مفصَّل مبيّن"، صفة كاشفة؛ بحيث يمتاز بعضه عن بعض فلا يلتبس، "يعده العادّ" لمبالغته في الترتيل والتفهيم؛ بحيث لو أراد مستمعه عد كلماته أو حروفه لأمكنه ذلك؛ لوضوحه وبيانه, "ليس بهذر" -بفتحتين- اسم من هذر، وأما بالسكون، فالمصدر, والأوّل أنسب هنا، وفي نسخة بهذ -بحذف الراء، وهو السرعة، فقوله: "مسرع" صفة كاشفة، "لا يحفظ"، وهذا ورد بمعناه عن عائشة عند الترمذي، "وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها": فيما رواه مسلم، والبخاري،