وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسرد سردكم هذا، كان يحدِّث حديثًا لو عده العاد لأحصاه, وكان يعيد الكلمة ثلاثًا حتى تعقل عنه.
وأبو داود، "ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسرد" -بضم الراء- الحديث "سردكم"، وفي رواية: كسردكم، والمعنى واحد "هذا"، أي: ما كان يتابع الحديث استعجالًا بعضه إثر بعض، لئلَّا يلتبس على المستمع. زاد الإسماعيلي في روايته: إنما كان حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهمًا تفهمه القلوب، "كان يحدث حديثًا لو عدَّه العاد لأحصاه"، أي: لو عدَّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه، لأطاق ذلك وبلغ آخرها، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهم، قاله الحافظ, وفيه إشارة إلى أن الشرط والجزاء مختلفان، وأوضحه المصنف بقوله: لا يقال فيه اتحاد الشرط والجزاء؛ لأنه كقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: ٣٤] ، وقد فُسِّرَ بلا تطيقوا عدَّها وآخرها، وهذا أتت به عائشة، تعرض بأبي هريرة، فصدر الحديث عن عروة، عنها أنها قالت: ألا يعجبك أبو فلان؟ ولفظ مسلم: أبو هريرة جاء، فجلس إلى جانب حجرتي، يحدّث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسرد يسمعني ذلك، وفي رواية، فقال: ألا تسمعي يا ربة الحجرة، وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان، فذكرته. قال الحافظ: وأعتذر عن أبي هريرة، بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكّن من الترتيب عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم عليّ القوافي. "و" روى الترمذي، والحاكم، عن أنس "كان" -صلى الله عليه وسلم- "يعيد الكلمة" الصادقة بالجملة، أو الجمل, نحو أنها كلمة، والمراد بها: ما لا يتبين مبناها أو معناها إلا بالإعادة "ثلاثًا"، أي: ثلاث مرات، معمول لمحذوف، أي: فقالها ثلاثًا، أو ضُمِّنَ عاد قال، فلم تقع الإعادة إلا مرتين، ولا يصح بقاؤه على ظاهره لاستلزامه قول الكلمة أربع مرات؛ إذ الأولى لا إعادة فيها. قاله البدر الدماميني وغيره، وبَيِّنَ المراد بذلك بقوله: "حتى تعقل عنه"، وفي رواية البخاري: حتى تفهم عنه، والمعنى واحد، أي: ليتدبرها السامعون، ويرسخ معناها في القوة العاقلة، وحكمته: أن الأولى للإسماع، والثانية للوعي، والثالثة للفكرة، أو الأولى إسماع، والثانية تنبيه، والثالثة أمر. وفيه كما قال ابن التين: إن الثلاثة غاية الإعذار والبيان، فمن لم يفهم بما لا يفهم بها زيد عليها، ولو مرات عديدة، وقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا يراجع بعد ثلاث، وفيه رد على من كراه إعادة الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة، وعدّه من البلادة.