ومنزلة لا يداني منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا من سيوفه، يبين عنه مراده, ويدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ, لا يقول هجرًا، ولا ينطق هذرًا، كلامه كله يثمر علمًا،
لابتداء المسافة، فلا منافاة بين الحكم بأنها للابتداء، وأن ذلك الابتداء للغاية، "ومنزلة" رتبة عليه، "لا يداني" يقارب "منتهاها" غايتها, لما خصَّه الله به من القوة النطقية التي اختص بها الإنسان على غيره الحيوان؛ إذ علاه من يقدر على ضبط سائر المعاني، والتعبير عنها إلى أقصى الغايات، وهذه القدرة هي فصل الخطاب، فهو القدرة على كل ما يخطر بالبال، ويحضر في الخيال، بتفصيل كل فرد منه, والتعبير عنه بما يطابقه من أمور الدنيا والدين، وغاية ذلك التي لم يصل إليها مخلوق مختصة بنبينا -صلى الله عليه وسلم، ولذا قيل: كلامه معجز كالقرآن، ولم يقل في غيره ذلك؛ لأن كتبهم ليست معجزة، فكذا كلامهم بخلاف كتابه، وكلامه مثل، وهذا وإن كان ضعيفًا، لكنه من حيث الكل، أمَّا الأكثر سيما جوامع كلمه، فلا شَكَّ في إعجازها، كما بينه في الاستيعاب، "وكيف لا يكون ذلك" استفهام تعجبي، والواو للاستئناف، "وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا"، أي: كسيف "من سيوفه" في شدة تأثير ما يقوله في النفوس، وأنه لا يرد "يبين عنه مراده"، أي: الله، "ودعو إليه عباده"، كما قال: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} ، "فهو ينطق بحكمه -بضم فسكون- الذي شرعه "عن أمره"، امتثالًا لنحو قوله: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ، أو بكسر، ففتح جمع: حِكَمه، أي: كلماته الحق المطابقة للواقع، نطقًا ناشئًا عن أمر الله تعالى له بذلك، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} ، "ويبين" -بضم فكسر فسكون، أو بضم، ففتح، فكسر وشدّ. من أبان وبَيِّنَ، أي: يكشف "عن مراده بحقيقة ذكره"، أي: ذكر الحق الذي لا ريب فيه، "أفصح" بالفاء "خلق الله"، الذين يوصفون بالفصاحة، فلا يرد الحيوانات والجمادات، فإنها لا توصف بها، وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة، وأورد بالخلق المجموع، فلا يستلزم الحكم على كل فرد فرد، "إذ لفظ" تكلم، "وأنصحهم" -بالنون- أشدهم نصحًا، "إذا وعظ" ذكر وخوف العواقب، "لا يقول هجرًا" -بضم الهاء، وإسكان الجيم- فحشًا، "ولا ينطق هذرًا" -بفتح الهاء، وذال معجمة ساكنة- أي: لا يخلط في كلامه، ولا ينطق بما لا ينبغي، بل كان أشد حياء من العذراء في خدرها، "كلامه كله يثمر علمًا"، فهو شجرة طيبة يجتني منها الثمار المشتهاة، ولذا كان طالب العلم لا يشبع منه، "ويمتثل" -بضم التحتية، وإسكان الميم، وفتح الفوقية، ومثلثة- أي: يمتثل ما جاءته حال كونه