وأعذبهم كلامًا، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح, شعر:
ينظم در الثغر نثر مقوله ... فيا حسنه ونثره ونظامه
يناجي فينجي من يناجي من الجوى ... فكل كليم برؤه في كلامه
ففصاحة لسانه -عليه الصلاة والسلام- غاية لا يدرك مداها،
فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة، "وأعذبهم كلامًا"، فيتكلم بألفاظ حلوة لطيفة لا يلتوي الذهن في فهمها، فما من لفظة يسبق فهمها للذهن، إلّا ومعناها أسبق إليه، "وأسرعهم أداء" اسم مصدر من أدَّى، أي: تأدية للمعاني التي يريد إيرادها، فينطبق بغاية من الله السرعة بلا تلعثم ولا تأنٍّ، "وأحلاهم منطقًا" مصدر ميمي، أي: نطقًا، وعذوبة الكلام وحلاوته، المراد بهما: حسنه؛ بحيث يستلذ بسماعه، كما يستلذ بتناول الشيء الحلو، كما قيل: يكاد من عذوبة الألفاظ ... تشربه مسامع الحفاظ "حتى كان" بالتشديد "كلامه يأخذ بمجامع"، أي: جميع، واحده مجمع -بفتح الميم وكسرها, "القلوب": بأن يستولي عليها؛ بحيث تصير كأنها في يده، يقلِّبها كيف شاء، "و" كأنه "يسلب الأرواح" جمع روح، "شعر" للأستاذ محمد، وفي جملة القصيدة التي قدَّم بيتين منها قريبًا، فقال عقبهما: "ينظم در" -بضم الدال- جمع درة: اللؤلؤة العظيمة، "الثغر" المبسم، ثم أطلق على الثنايا, "نثر" بالرفع "مقوله"، أي: قوله، يعني: إذا تكلم بنَثْرٍ أشبه اللآلئ الكبار في حسنها، وقبول النفوس لها، "فيا حسنه ونثره ونظامه"، إتيانه بكلامه المنثور والمنظوم. وليس المراد الشعر، فنادى حسنه ليتعجب منه، "يناجي" يسارر، والمراد: مطلق الكلام، "فينجي من يناجي من الجوى" -بالقصر: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، أي: يخاطب من كرب، فيزول بخطابه، "فكل كليم" جريح "برؤه" شفاؤه حاصل "في كلامه" -صلى الله عليه وسلم- له، والمراد: إن كلامه يداوي المرضى، ويزيل عللهم، "ففصاحة لسانه -عليه الصلاة والسلام- غاية" مدى "لا يدرك مداها" -بفتحتين- غايتها، كما في اللغة، فكأنه قيل: نهاية لا تدرك نهايتها، فيشكل بأن نهاية الشيء آخره، ووجه بأنه من نفي القيد والمقيد جميعًا، أي: لا لها غاية، ولا منتهى حتى تدرك كقوله: على لا حب ... لا يهتدي لمثاره أو قصد المبالغة، حتى إنه جعل النهاية بمنزلة شيء ممتد لا تدرك نهايته، أو الغاية هنا بمنزلة المرتبة، أو الحالة، وهي لا تدرك نهايتها، على نحو قول الرضي قولهم: من لابتداء الغاية، معناه: