جنى النحل في فيه وفيه حياتنا ... ولكنه من لي بلثم لثامه
رحيق الثنايا والمثاني تنفست ... إذا قال في فيح بطيب ختامه
وأمّا فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكان -صلى الله عليه وسلم- أفصح خلق الله،
الحلاوة، كالشهد المجني من النحل، "وفيه"، أي: ما يُجْنَى منه "حياتنا"؛ لأنه يأتي بما تحيا به القلوب، ويقرب إلى علام الغيوب، فنحيا في الدنيا بالعبادة والإيمان، وفي الأخرى الحياة الأبدية في رياض الجنان، "ولكنه من" يتكفل "لي بلثم لثامه" حتى أجني منه ذلك الجني، تمنَّى رؤيته يقضة ليسمع منه، ويأخذ عنه، وما ذلك عليه بعزيز، "رحيق الثنايا" خمرها، شبَّه ما يخرج من بينها بالخمر الخالص من الدنس، في أنه يستلذ به، كالرحيق الممتنّ به على المتقين في الجنة، {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} ، "والمثاني" القرآن، أو ما ثنى منه مرة بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة إلى براءة، أو غير ذلك مما قيل في تفسير المثاني، أو المراد المزامير، وهو أظهر تشبيهًا لصوته الخارج من فيه، لشدة حسنه بنغمتها، "تنفست": خرج منها نفس طيب، "إذا قال"، أي: تكلم "في فيح" -بفاء، فتحتية، فمهمل- ظرف لتنفست، تلميح بقوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} "وأما فصاحة" أي: طلاقة وجودة "لسانه"، الجارحة المخصوصة، بحيث ينطق بالكلام البليغ بلا تكلف، فالمراد الفصحة اللغوية، يقال: لسان فصيح، أي: طلق، فلا يرد أن الفصاحة لا توصف بها الجارحة، بل اللفظ والمتكلم به؛ لأن تخصيصها ألفاظ أمر اصطلاحي، ولا يرد حصرهم لها في الكلام والكلمة والمتكلم؛ لأن الحصر إضافي بالنسبة للبلاغة التي يوصف بها الأخيران فقط، واللسان العضو يذكر، فيجمع على ألسنة، ويؤنّث، فيجمع على ألسن. قال أبو حاتم: والتذكير أكثر، وهو في القرآن كله مذكر، "وجوامع كلمه" من إضافة الصفة للموصوف، أي: كلمة "الجوامع" للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، كما قال -صلى الله عليه وسلم: "أعطيت جوامع الكلم"، واختصر لي الكلام اختصارًا، رواه أبو يعلى والبيهقي عن ابن عمر، والدارقطني عن ابن عباس. "وبديع بيانه وحكمه" -بكسر ففتح- جمع حكمة، أي: بيانه البديع، وحكمه البديعة، فهما أيضًا من إضافة الصفة للموصوف، "فكان -صلى الله عليه وسلم- أفصح خلق الله"، أي: مخلوقه الذي يوصف بالفصاحة، وهو نوع الإنسان، أي: أقدرهم على المجيء بالكلام الفصيح، أي: البليغ،