صلى الله عليه وسلم:"إني أرى ما لا ترون, وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى" رواه الترمذي من رواية أبي ذر.
عليه المقام، أي: كافيك في بيان كماله ووصوله إلى ما لم يصل إليه غيره قوله "صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون" " لما أعطاه الله تعالى من قوة البصر. قال في الشفاء: والأحاديث كثيرة صحيحة في رؤيته -صلى الله عليه وسلم- الملائكة والشياطين، ورفع النجاشي له حتى صَلَّى عليه، وبيت المقدس حتى وصفه لقريش، والكعبة حين بنى مسجده، وحكي عنه أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وهذه كلها محمولة على رؤية العين، وهو قول ابن حنبل وغيره، وذهب بعضهم إلى ردّها إلى العلم، والظواهر تخالفه، ولا إحالة في ذلك، وهي من خواص الأنبياء انتهى. ونازعه السيوطي في رفع النجاشي؛ بأنه لم يجده في كتب الحديث، وإنما الوراد فيها أنه رفع إليه معاوية المزني حتى صلى عليه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بتبوك، أخرجه أبو يعلى والبيهقي عن أنس. انتهى، والمصنّف ذكر هذا الحديث بتمامه، وإن كان غرضه منه قوله: "وأسمع ما لا تسمعون" فهو صريح في قوة سمعه، وقوَّى ذلك بقوله: "أطَّت السماء" بفتح الهمزة، وشد الطاء- صاحت وصوتت من ثِقَلِ ما عليها من ازدحام الملائكة، وكثرة الساجدين فيها منهم, من الأطيط، وهو صوت الرحل والإبل من حمل أثقالها, وأل للجنس، ومعنى الحديث: وأنا سمعت ذلك لقوله في الحديث التالي: "إني لأسمع أطيط السماء"، "وحق" بفتح الحاء وضمها- على ما يفيده القاموس، فالضم من حق لك فعل كذا، والفتح من وقع ووجب، "لها أن تئط" بفتح الفوقية، وكسر الهمزة، وشد الطاء- أي: تصوّت، والجملة حالية أو معترضة؛ لبيان أنه لا ينكر أطيطها ولا يستغرب، وذلك لأنه "ليس فيها موضع أربع أصابع"، وهذه الرواية مبنية، أن قوله في رواية حكيم: موضع شبر، أي: ولا أقل منه "إلا وملك واضع جبهته" استعارة، أو حقيقة في البعض، كذا، قيل "ساجدًا لله تعالى". وفي رواية: إلّا وفيه جبهة ملك ساجد يسبح الله ويحمده، وقد ادَّعى ابن الأثير أن أطيط السماء مَثَلٌ وإيذانٌ بكثرة الملائكة، وإن لم يكن أطيط، وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تعزيز عظمة الله تعالى، ونظر فيه الشامي بقوله: "إني لأسمع أطيط السماء"، فالظاهر حمله على الحقيقة؛ فإنه أمر ممكن، ولا يتم الدليل إلا به، وألفاظه -صلى الله عليه وسلم- يجب بقاؤها على ظاهرها إلّا لمانع، ولا مانع هنا، فكيف إذا كان الصرف على الظاهر يفوّت المقصود، "رواه الترمذي"، وأحمد، وابن ماجه، والحاكم، وصححه، كلهم "من رواية أبي ذر"، عنه -صلى الله عليه وسلم- بزيادة: "والله لو تعلمون ما أعلم