للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرى بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخاري.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرى في الظلمات كما يرى في الضوء. رواه البيهقي.


غاية الحدة والقوة المودَعة فيه، فالجواب أنَّه من التعبير باللزوم؛ لأن وصفه بما في الآية ملزوم، ويلزمه غاية قوة بصره؛ بحيث إنه لا يتخيل في شيء رآه ما يخالف الواقع فيه، بل متى تعلّق بمبصر ما أدركه على ما هو به في الواقع، وإن كان في غاية الخفاء، "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرى بالليل في الظلمة"، احترازًا عمَّا إذا كان مع القمر، "كما يرى بالنهار في الضوء"، متعلّق بالنهار للاحتراز عمَّا إذا كان في بيت مظلم، أو في يوم غيم، فلا يقال: لا حاجة إليه بعد ذكر النهار، فالمعنى: إن رؤيته في النهار الصافي والليل المظلم متساوية؛ لأن الله تعالى لما رزقه الاطِّلاع بالباطن، والإحاطة بإدراك مدركات القلوب، جعل له مثل ذلك في مدركات العيون، ومن ثَمَّ كان يرى المحسوس من وراء ظهره، كما يراه من أمامه، ذكره الحرالي ملخصًا، ويأتي نصه في المصنف، ولا يرد عليه حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قام ليلة، فوطئ على زينب أم سلمة بقدمه، وهي نائمة فبكت، فقال: "أمطيوا عنا زناياكم"؛ لأنه حجب عن ذلك حينئذ ليعلم أنه لا ينام أحد ببيت ذي الأهل"، وفي حديث: كان يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه.
قال عياض: وإنما حدثت هذه الآية له بعد ليلة الإسراء، كما أنَّ موسى كان يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور أ. هـ.
والظاهر أنَّ مراده بالآية ما يشتمل الآيتين في الحديثين، "رواه البخاري"، كذات في النسخ، ولم أجده فيه، وإنما عزاه السيوطي وغيره للبيهقي في الدلائل، وقال: إنه حسن.
قال شارحه: ولعلَّه لاعتضاده، وإلّا فقد قال السهيلي: ليس بقوي، وضعَّفه ابن دحية، أي: نقل تضعيفه في كتاب الآيات البينات عن ابن بشكوال؛ لأن في سنده ضعفًا، فكيف يكون في البخاري، "وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرى في الظلماء"، مرادف للظلمة.
قال في القاموس: الظلمة -بالضم وبضمتين- والظلماء والظلام ذهاب النور، "كما يرى في الضوء، رواه البيهقي" وابن عدي، وكذا بقي بن مخلد، كما في الشفاء، وضعَّفه ابن الجوزي والذهبي، لكنه يعتضد بشواهده، فهو حسن، كما قال السيوطي.

<<  <  ج: ص:  >  >>