هيهات ألهو عن هواه بغيره ... والغير في حشر الأجانب يحشر
كتب الغرام علي في أسفاره ... كتبًا تئوّل بالهوى وتفسر
فدع الدعي وما ادعاه في الهوى ... فدعيه بالهجر فيه تهجر
وعليك بالعلم العليم فإنه ... لخطيبه في كل خطب منبر
وأما بصره الشريف -صلى الله عليه وسلم, فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}[النجم: ١٧] .
وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، لا يظمأ من شرب منه، "هيهات" بعد "ألهو" أشتغل "عن هواه" ميلي ومحبتي له "بغيره". "والغير في حشر الأجانب يحشر"، وشتَّان ما بينهما، فكيف أشتغل بغيره "كتب الغرام"، الولوع والتعلق به، ومحبته "علي في أسفاره"، كتبه الكبيرة "كتبًا"، أحكامًا كثيرة كلها "تئوّل بالهوى" الميل وخلوص المحبة، "وتفسَّر" بها، "فدع" اترك "الدعيّ" المنتسب لقوم وليس منهم، "وما ادَّعاه في الهوى" من الدعاوى الكاذبة، يعد نفسه من أهل المحبَّة، وما هو منهم، "فدعيه" المنتسب إليه "بالهجر" بضم فسكون، الهذيان والتخليط "فيه تهجّر"، أمر يعود عليه بالأذى والهلاك، من هجر المريض هجرًا: خلط وهذي, وتهجّر، سار وقت الهاجرة -شدة الحر، فكأنَّه قال: مدعي المحبة بمجرد اللفظ شبيه بالسائر في شدة الحر، فأتعب نفسه وآذاها بما يلام عليه عاجلًا وآجلًا، "وعليك بالعلم العليم"، أي: الزم واتبع الرسل، الكثير العلم، الذي هو في ظهوره، كعلم الطريق الذي يهتدي به من البعد، "فإنه لخطيبه في كل خطب منبر"، أي: فإنه كالمنبر لكل خطيب في كل أمر مهم، "وأمَّا بصره الشريف -صلى الله عليه وسلم"، وهو النور الذي تدرك به الجارحة المبصرات، كما في المصباح، وهو بمعنى قول المتكلمين: قوة مودعة في العين، وهو صريح في أنه شيء مخلوق في العين زائد عليها، ومقتضى قول القاموس: البصر محركة حسن العين, إنه صفة للعين، ليست زائدة عليها، إلّا أن يكون على حذف مضاف، أي: سبب حسن العين، أي: جمالها. واستعمل الحسن في نفس سببه مجازًا لغويًّا، فأطلق المسبب مريدًا سببه، "فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز"، الغالب على الكتب التي قبله، بنسخه ما فيها، وإعجازه "بقوله: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} ما مال بصره -صلى الله عليه وسلم- عمَّا رآه, " {وَمَا طَغَى} " ما تجاوزه، بل أثبته إثباتًا صحيحًا مستيقنًا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أُمِرَ برؤيتها، وما جاوزها، كما في البيضاوي، فإن قيل: الآية لا تصلح جوابًا لما؛ لأن المراد الخلق الحسي لا الصفة، فالقياس: أنَّ الجواب، فهو في