للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري" رواه البخاري ومسلم.

وعند مسلم من رواية أنس بن مالك أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي".


"وعن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هل ترون" بفتح التاء- والاستفهام إنكاري، أي: أتظنون "قبلتي"، أي: مقابلتي ومواجهتي "ههنا" فقط؛ لأن من استقبل شيئًا، استدبر ما وراءه، فبَيِّنَ أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة، "فوالله ما"، وفي رواية: لا "يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم"، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري في موضع من كتاب الصلاة: "فوالله ما يخفى علي خشوعكم، ولا ركوعكم"، وفي موضع آخر: "ركوعكم ولا خشوعكم".
قال الحافظ وغيره: أي: في جميع الأركان، ويحتمل أن يريد به السجود؛ لأن فيه غاية الخشوع.
وقد صرَّح بالسجود في رواية مسلم، وإذا كان المراد به الأعمّ، فذكر الركوع بعده من الأخص بعد الأعم، إمَّا لأنَّ التقصير فيه كان أكثر، أو لأنه أعظم الأركان، من حيث إنَّ المسبوق يدرك الركعة بتمامها بإدراك الركوع، "إني لأراكم" بفح الهمزة- بدل من جواب القسم، وهو ما يخفى، أو بيان له "من وراء ظهري" رؤية حقيقية، اختُصَّ بها عليكم، وهو تنبيه لهم على الخشوع في الصلاة؛ لأنه قاله لهم لما رآهم يلتفتون، وهو منافٍ لكمال الصلاة، فيكون مستحبًّا لا واجبًا؛ إذ لم يأمرهم بالإعادة.
وقد حكى النووي الإجماع على عدم وجوبه، وتعقَّب بأنَّ في الزهد لابن المبارك عن عمّار بن ياسر: لا يكتب للرجل من صلاة ما سها عنه. وفي كلام غير واحد: ما يقتضي وجوبه، ثم الخشوع تارةً يكون من فعل القلب كالخشية، وتارةً من فعل البدن كالسكون، وقيل: لابُدَّ من اعتبارهما، حكاه الرازي في تفسيره.
وقال غيره: هو معنى: يقوم بالنفس، يظهر عنه سكون في الأطراف، يلائم مقصوده العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب، حديث على الخشوع في القلب، أخرجه الحاكم.
وأما حديث: لو خشع هذا خشعت جوارحه، ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن، "رواه البخاري، ومسلم"، كلاهما في الصلاة، "وعند مسلم من رواية أنس بن مالك أنه -صلى الله عليه وسلم، قال: "أيها الناس, إني أمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي"، قدامي "ومن خلفي"، تعليل للنهي عن السبق أو تحذير عنه؛ لأنهم إذا علموا أنه يراهم اجتنبوا السبق بكل اعتبار، ومن أمامي حال من المفعول، أو هو لغو متعلق بأراكم.

<<  <  ج: ص:  >  >>