للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإلّا فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات, يعادل صفاته الخِلْقية والخُلُقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي -رحمه الله تعالى؛ حيث قال:

كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر


لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس
"وإلّا فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخَلْقية" بفتح فسكون، "والخُلُقية" بضمتين، كما يدل ل كلامه أوّل الفصل الثاني عن الراغب، فليس الأوّل بالكسر كما قد يتوهم من نسبته إلى الخِلْقة، "ولله در إمام العارفين، سيدي محمد" بن محمد بن محمد، ثلاثة الإسكندراني أو المغربي، ثم المصري، صاحب الموشحات التوحيدية التي لم ينسج على منوالها أحد من البرية، وشيخ الخرقة الوفائية, كان وافر الجلال، فائق الخلال، تمسك من فنون العلم بأفنان، وأفاد بنظمه ونثره عقود الجمان، وقلائد العقيان، ولم يتسم بالسادات في مصر غير ذريته الأعيان. ولد بالإسكندرية سنة اثنتين وسبعمائة، فجاء التاج بن عطاء الله، ومعه أصحابه إلى بيته، فأتى له به، فقبله، وهو في القماط، وقال لأصحابه: هذا جامع علم حقائقنا، ومات أبوه وهو صغير، فكفله جده النجم محمد، وكان من أصحاب الأحوال.
قال الشعراوي: وكان أميًّا، وله مؤلفات كثيرة ألفها وهو ابن سبع أو عشر، ولقبه "وفي" بالياء- على القياس، وإن رسم بألف في النسخ؛ إذ هو منقول عن الفعل، وهو وفى يفي إذا تَمَّ؛ لأنه وقف النيل، ولم يزد أو أن الوفاء حتى عزم أهل مصر على الرحيل، فقصدوه، وكان معروفًا بإجابة الدعوة, فجاء وتوضأ بالمقياس، وصلى ركعتين، ثم دعا الله، فصار كلما يطلع من الفسقية درجة، يطلع البحر معه، حتى وفي ذلك اليوم سبعة عشر ذراعًا، فعاد ماشيًا، وهو يقول: وفي وفي، وأخذ عن داود بن باخلا، عن ابن عطاء الله، عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن، ولذا ينسب "الشاذلي" بذال معجمة، ومهملة- نسبة إلى شاذلة بلد المغرب، منها الشيخ أبو الحسن، أستاذ الشاذلية، وفيهم يقول أبو العباس بن عطاء:
تحقق بحب الشاذلية تلق ما ... تروم فحقق ذاك فيهم وحصل
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم ... شموس الهدى في أعين المتأمل
ومات سنة ستين، وقيل: حمس وستين وسبعمائة، "رحمه الله تعالى، حيث قال: كم" للتكثير "فيه للإبصار حسن مدهش" محير، أي: إن كثيرًا من الأبصار أدهشها حسنه، بحيث تحيّرت فيه لفرط ما أصابها من الدهش، "كم فيه للأرواح راح مسكر"، أي: وكثير من صفاته التي إدراكها والتعلق بها، يحصل حالة تشبه الخمر لمن قامت به، فيصير كالسكران، الذي

<<  <  ج: ص:  >  >>