وذلك: لأنَّ القمر يملأ الأرض بنوره, ويؤنس كل من يشاهده، وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكَّن من النظر إليه, بخلاف الشمس التي تغشي البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق حين رآه أو كلما رآه:
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر
وقد صادف هذا التشبيه تحقيقًا، فمن أسمائه -صلى الله عليه وسلم: البدر:
ليلة البدر"، أي: يلمع لمعانه ليلة كماله، فاستعمل البدر في صفة القمر التي هي له، وجرَّده عن معناه الذي هو الموصوف والصفة، أو هو من استعماله المطلق في القيد، أي: ليلة كونه بدرًا، فلا يرد أن المعنى تلألؤ القمر ليلة القمر الكامل، ولا معنى له، "وذلك" أي: وجه التشبيه بالقمر دون الشمس؛ "لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده"، أي: يسكن قلبه إليه، ولا ينفر منه، "وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكَّن من النظر إليه"، بل قد يستلذه، "بخلاف الشمس التي تغشي البصر" بمهملة أو بمعجمة -كما مَرَّ قريبًا، "فتمنع من تمكن الرؤية"، ولا يؤنس إليها لشدة حرها، وسبق توجيه آخر على أنه ورد تشبيهه بالشمس، كما مَرّ. "والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه"، أي: البدر هو القمر "وقت كماله، كما قال الفاروق" لقب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لكثرة فرقه، أي: فصله بين الحق والباطل، وفي أن الملقب له جبريل أو المصطفى، أو أهل الكتاب، روايات "حين رآه"، أي: قال: البيت مرة واحدة حين رؤيته في بعض الأزمان، "أو" كان يقوله "كلما رآه"، وكأنه شك من الراوي: "لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنوَّر"، أي: القمر "ليلة البدر"، واستعمل سوى صفة لشيء، بناءً على خروجها عن الظرفية إلى معنى غير، وهو الأصح خلافًا، فقول سيبويه: إنها ظرف لا تتصرف إلا في الضرورة، وهذا البيت تمثل به عمر، وليس منشئه؛ إذ هو من قصيدة للمسيب بن عبس بن مالك، خال الأعشى، يمدح بها قيسًا وبعده: ولا أنت أجود بالعطاء من ... الزمان لما جاد بالقطر ولا أنت أشجع من أسامة إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر "وقد صادف هذا التشبيه" بالبدر "تحقيقًا"، أي: معناه الحقيقي، وهو ما وضع له الاسم، "فمن أسمائه -صلى الله عليه وسلم- البدر"؛ لتمام كماله وعلوّ شرفه. وفي قصص الكسائي: إن الله قال لموسى: إن محمدًا هو البدر الباهر، والنجم الزاهر، والبحر الراجز، ولهذا أنشدوا لما قدم المدينة في الهجرة أو من غزوة تبوك: