فقضى القاضي على عمر، فقال عمر: قد أنفقنا عليها. فقال القاضي: ذلك بما نلتُم من غَلَّتِها. فقال عمر: لو حكمتَ بغير هذا لم تلِ لي أمرًا. ثم ردَّها على الرجل (١).
وقال عبد الله بنُ راشد: أتيتُ عمرَ بالطِّيب الَّذي كان يُصنع للخلفاء من بيت المال، فأمسك على أنفه وقال: إنما يُنتفع منه بريحه (٢).
قال: وقام إليه رجل من الخوارج فقال: أشهد أنك من الفاسقين ولا دِين لك. فنظر إليه عمر وقال: أنت عندنا شاهدُ زُور، لا نُجيز شهادتك، أردتَ أن يستفزَّني الشيطان بعزِّ السلطان، فأنال منك اليوم ما تنالُه مني غدًا. ثم عفا عنه (٣).
وقال رجاء: كان عمر يجمع العلماء والزُّهَّاد عنده كلَّ ليلة، فيتذاكرون الموت والقيامة ويبكون كأنَّ بين أيديهم جنازة (٤).
وقال يزيد بن حوشب: ما رأيتُ أخوف لله من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنَ النارَ لم تُخلق إلا لهما (٥).
حديث المرأة القادمة عليه من العراق:
قال رجاء بن حَيْوَة: قدمت امرأةٌ من أهل العراق على عمر بن عبد العزيز، فلما صارت إلى بابه قالت: هل عليه من حاجب؟ قالوا: لا، فإنْ أحببتِ أن تلجي فَلِجي، فَدَخلَتْ وإذا بفاطمة زوجةِ عمر ﵁ جالسة، فنظرَتْ في البيت، فلم ترَ فيه شيئًا، فبكت وقالت: إنما جئتُ لأَعْمُر بيتي من هذا البيت الخراب! فقالت لها فاطمة: واللهِ ما أخربَه إلا عِمارةُ بيوتِ أمثالِك.
وأقبل عمر، فدخلَ الدار، فمالَ إلى بئر هناك، فنزع دلوًا فصبَّه على طين وهو ينظر إلى فاطمة، فقالت لفاطمة: استتري من هذا الطيَّان. فقالت فاطمة: ليس بطيَّان، وإنَّما هو أمير المؤمنين. فبكت المرأة، وغسل عمرُ رجليه ومال إلى مُصلَّاه، فصلَّى ما شاء الله،
(١) أنساب الأشراف ٧/ ١١٨. (٢) ينظر "حلية الأولياء" ٥/ ٣٢٦، وسلف نحوه أوائل ترجمته في ذكر طرف من أخباره. (٣) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٨٩. (٤) الخبر في "تاريخ دمشق" ٥٤/ ١٩٤ عن رجل عن عطاء. (٥) المصدر السابق ٥٤/ ١٩٢.