وفيه دليلٌ على الأكلِ من الضَّحايا وسائرِ النُّسُكِ، وإن كان في قولِ الله عزَّ وجلَّ:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}[الحج: ٢٨] ما يُغني عن قولِ كلِّ قائل، إلّا أنِّي أقُولُ: الأكلُ من الهديِ بالقُرآنِ، ومن الضَّحيَّةِ بالسُّنَّةِ.
وأمّا إذنُ عُثمان لأهلِ العَوالي، وقولُهُ: قدِ اجتمَعَ لكُم في يومِكُم هذا عيدانِ، يعني: الجُمُعةَ والعيد، قال: فمن أحبَّ من أهلِ العاليةِ أن ينتظِر الجُمُعة، فَلْينتظِرها، ومن أحبَّ أن يَرْجِعَ، فقد أذِنتُ لهُ، فقدِ اختلَفَ العُلماءُ في تأويلِ قولِ عُثمان هذا، واختلفَتِ الآثارُ في ذلك أيضًا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. واختلَفَ العُلماءُ في تأويلِها والأخذِ بها، فذهَبَ عطاءُ بن أبي رباح إلى أنَّ شُهُودَ العيدِ يومَ الجُمُعةِ يُجزِئُ عنِ الجُمُعةِ، إذا صلَّى بعدها رَكْعتينِ، على طريقِ الجَمْع (١).
ورُوِيَ عنهُ أيضًا: أنَّهُ يُجزئه، وإن لم يُصلِّ غير صلاةِ العيدِ، ولا صلاةَ بعدَ صلاةِ العيدِ، حتَّى العصر. وحُكيَ ذلك عن ابن الزُّبيرِ (٢).
وهذا القولُ مهجُورٌ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ افترضَ الجُمُعةَ في يوم الجُمُعةِ على كلِّ من في الأمْصارِ من البالِغينَ الذُّكُورِ الأحرارِ، فمن لم يكُن بهذه الصِّفات، ففرضُهُ الظُّهرُ في وقتِها فرضًا مُطلقًا، لم يختصَّ بهِ يومُ عيدٍ من غير.
وقولُ عطاءٍ هذا ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن ابن جُريج، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباح: إنِ اجْتمَعَ يومُ الجُمُعةِ ويومُ الفِطرِ في يوم واحِد، فليجمعهُما وليُصلِّهِما ركعتينِ فقط حينَ يُصلِّي صلاةَ الفِطرِ، ثُمَّ هي هي حتَّى العصرِ. ثُمَّ أخبرنا عندَ ذلك، قال: اجْتَمعا يومُ فِطرٍ ويومُ جُمُعةٍ في يوم واحِدٍ في زمنِ ابن الزُّبيرِ، فقال
(١) انظر: الاستذكار ٢/ ٣٨٥، وعون المعبود ٣/ ٢٨٧. (٢) انظر: الاستذكار ٢/ ٣٨٥، والمغني لابن قدامة ٢/ ١٠٦. وسيذكره المؤلف لاحقًا معزوًا إلى عبد الرزاق. (٣) في المصنَّف (٥٧٢٥).